2008-08-18

- ماذا عن تمثيل الصحافيين في المجلس؟

قراءة في تركيبة الأعضاء المُعيّنين الجُدد في مجلس المستشارين
اتحاد الشغل أصبح مُمثلا في المجلس وتجديد الثقة في عدد هام من المستشارين

أعلنت وكالة تونس إفريقيا للأنباء اليوم أن الرئيس زين العابدين بن علي قد قام وفقا للفصل 19 من الدستور بتحديد قائمة نصف الأعضاء المعيّنين من بين الشخصيّات والكفاءات الوطنيّة بداية من يوم 16 أوت الجاري. ويبلغ عدد هؤلاء عشرين شخصا أي نصف ثلث أعضاء مجلس المستشارين المخوّل لرئيس الدولة تعيينهم حسب ما ينصّ عليه الدستور. وهم التالية أسماؤهم (حسب الترتيب الذي أوردته وكالة تونس إفريقيا للأنباء): المنصف الماطري، منذر ثابت، الشاذلي القليبي، محمد حسين فنطر، محرزية المعروفي، رضا الملولي، فؤاد الحوات، عزيز ميلاد، كمال العيادي، فيصل التريكي، آمنة صولة، عماد الدين شاكر، نعيمة خياش، محمد منصف الشابي، محمد شندول، نزيهة زروق، منجية النفزي، الحبيب المسطوري، مصطفي بوعزيز، محمد مواعدة.

ملامح المستشارين المعيّنين

وفي قراءة أولى نلاحظ أنّ عددا هامّا من هؤلاء المعيّنين ليس بجديد، فقد خسروا عضويّتهم بسبب عمليّة القرعة التي أجريت منذ أشهر في نطاق التجديد النصفي للمجلس. وهو ما يؤكّد أمرين أساسيّين وهما، أوّلا: نزاهة عمليّة "القرعة" السابقة التي فقد بمقتضاها معظم هؤلاء عضويّتهم في المجلس، وثانيا: التأكيد على ثقة رئيس الدولة المتجدّدة في الأشخاص الذين تمّ إعادة تعيينهم.

بغضّ النظر عن تقييم آداء من تمّ تجديد الثقة فيهم خلال الفترة الأولى من نشاط مجلس المستشارين، يمكن أن نلاحظ أنّ قطاعات عديدة تمّ تمثيلها من خلال هؤلاء على غرار عزيز ميلاد في قطاع السياحة وكمال العيّادي ممثلا للمهندسين وكلّ من منذر ثابت ومحمد المنصف الشابي باعتبارهما قياديين حزبيين، ومحمد مواعدة المنسق العام الجديد لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين والذي لا يُعدّ تعيينه مفاجئا بعد نشاطه الدؤوب في المؤتمر الأخير لحركته قبل أيّام معدودة وربّما لذلك أدرج إسمه في آخر قائمة المستشارين المعيّنين، بالإضافة إلى الشاذلي القليبي ومحمد حسين فنطر وهما من الشخصيّات المخضرمة ونزيهة زرّوق التي شغلت سابقا مناصب عديدة هامة وفيصل التريكي المحامي التجمّعي المنتمي سابقا لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، فضلا عن محمد شندول الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل والذي بتعيينه يجعل المنظمة الشغيلة مُمثلة في مجلس المستشارين نظرا إلى المنصب القيادي الذي يشغله شندول في اتحاد الشغل رغم القرار السابق للمكتب التنفيذي للاتحاد بمقاطعة المجلس...

ومن ثمّة يُمكن القول إنّ ملامح هذه الفئة المعيّنة تتجانس مع تركيبتي الفئتين الأخريين المكوّنتين للمجلس وهما الفئة المنتخبة عن المنظمات الوطنيّة والفئة المنتخبة عن المجالس الجهويّة، بل كانت بمثابة تقاطع بين هاتين الفئتين. وهذا مع وجود فوارق بسيطة تتعلّق بدمج بعض الشخصيّات ممّن لا ينتمون إلى المنظمات الوطنيّة ولا إلى المجالس البلديّة في الجهات. والواضح عموما أنّ أهمّ ما يميّز قائمة المعيّنين المذكورين أعلاه هو "إلزام" الاتحاد العام التونسي للشغل بأن يكون له ممثل في مجلس المستشارين رغم إعلانه في السابق رفض ذلك.

تمثيل الصحافيين

طُرحت مسألة تمثيليّة الصحافيين في مجلس المستشارين في أكثر من مناسبة. ولكنّها لم تـُطرح علنا في أوساط الصحافيين وإنّما بقيت رهينة الكواليس. ويبدو أنّ ذلك يعود إلى اعتقاد البعض بأنّ هكذا مسألة ينبغي أن يتمّ إعداد مداخلها ومخارجها في كنف الكتمان والسريّة التامّة، باعتبار أن تلك التعيينات تصدر عن رئيس الدولة، وأنّ أيّ تعيين يصعب كثيرا بأن يحظى بالإجماع في أوساط الصحافيين أو غيرهم. وفي الحقيقة لا ينبغي أن نعتبر هؤلاء من طينة الطمّاعين أو المتسلّقين، لأنّ الطموح قد لا يعرف حدودا في أيّ ذات بشرية. ويكمن الإشكال الحقيقي في إيجاد أجوبة لتساؤلين أساسيّين، نطرحهما كالآتي: أولا: هل يهتمّ الصحافيّون أصلا بأن يكون لهم من يمثلهم في مجلس المستشارين؟ وثانيا: ماذا فعل أو قدّم الصحافيّون حتى "يحقّ" لهم المطالبة بتمثيلهم في المجلس؟ وهل أنّ ذلك يُعدّ حقا في حدّ ذاته؟

من الموضوعي أن نقول إنّ مسألة حجم "الأسرة" الصحفيّة في البلاد التي لا تتجاوز الألف، لا تـُعدّ مسألة مُحدّدة تـُبرّر ضرورة اختيار من يمثلها في المجلس. فمن جهة يضمّ مجلس المستشارين في عضويّته عددا من الشخصيّات لا لأنها تمثّل فئة أو قطاعا مّا، وإنّما لاضطلاعها بأدوار معيّنة نجحت في أدائها سواء على الصعيد السياسي أو الثقافي أو الإعلامي أو الاقتصادي أو غير ذلك. ومن جهة أخرى، ينبغي أن نكون جميعا على بيّنة من أنّ تعيين ثلث أعضاء مجلس المستشارين يُعدّ حقا دستوريّا من مشمولات رئيس الدولة، ولذلك ليس لأيّ جهة أو قطاع المطالبة بأحقيّة تعيين من يمثله في المجلس. وفي المقابل فإنّ تفعيل هذا المطلب وتحقيقه يستوجب أن تكون للهيكل الممثل للصحافيين إستراتيجيّا مبنيّة على الشراكة الفاعلة مع سلطة الإشراف لا على التحرّكات المتسرّعة وغير المحسوبة النتائج والأمثلة متعدّدة، وإلاّ فإنّ المنطق لا يُبرّر مجرّد تلك الرغبة غير العقلانيّة...

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ المجلس يضمّ -على خلاف ما يراه البعض- مستشاريْن يمكن اعتبارهما بشكل من الأشكال مُمثليْن للصحافيين، وهما آمنة صولة باعتبارها رئيسة سابقة لجمعيّة الصحافيين التونسيين، ورضا الملولي الذي ينشر مقالاته منذ سنوات بشكل شبه أسبوعي وهو ما يُعدّ -دون مبالغة- عصِيّا على الكثير من الصحافيين في تونس. وفي المقابل تمّ تجاهل هذا المُعطى الهام ولم تعمل جمعيّة الصحافيين ثمّ النقابة على استقطابهما وتعبئتهما لخدمة مصالح الصحافيين من خلال موقعيهما في مجلس المستشارين، فمن كان الخاسر في نهاية المطاف؟ وهل يتكرّر السيناريو نفسه بعد أن تمّ تجديد الثقة في هذين المستشاريْن؟ فبالنسبة إلى آمنة صولة الرئيسة السابقة لجمعيّة الصحفيين لم تتم دعوتها لا من الجمعيّة ولا من النقابة لحضور ولو لقاء واحد حول إحدى القضايا التي تشغل الصحافيين وتحسيسها بأهميّة دورها في المساعدة على حلّها من خلال موقعها في المجلس. أمّا بالنسبة إلى رضا الملولي فهو لم ينخرط سابقا في جمعيّة الصحافيين ولا في النقابة بطبيعة الحال، باعتبار أنّ عمله الأساسي قبل أن ينضمّ إلى مجلس المستشارين كان في مجال التعليم الثانوي والجامعي، غير أنّ ذلك لا يمنع من أن يكون للملولي تأثير مّا في التعريف ببعض مشاغل الصحافيين في مجلس المستشارين. ولكنّ وجود خلاف كبير بينه وبين الهيكل الممثل للصحافيين بلغ حدّ التقاضي حال دون القيام بأيّ تنسيق ممكن. وقد يكون إسقاط القضيّة مدخلا إلى إقامة علاقة جديدة بين الجانبين يُمكن استثمارها لصالح القطاع عموما... ولا ريب أنّ ذلك يُعدّ توجّها لن يرى النور إلاّ حينما تـُقدم الهيئة القياديّة للنقابة على تكوين لوبيّات من القطاع وخارجه قادرة على خدمة مصالح الصحافيين وتكفّ في المقابل عن عقد تحالفات مع أشخاص لا يُمثلون سوى أنفسهم.. وهي تحالفات أقلّ ما يُمكن أن يُقال بشأنها أنّها أضرّت بوضعيّة الهيكل الممثل للصحافيين على أصعدة مُختلفة وأفقدته على الأقل مرحليّا أي فرص لتحقيق مكاسب جديدة للصحافيين، نعلم مُعظمنا أنّه لا يمكن الوصول إليها دون شراكة فعليّة مع سلطة الإشراف...

ليست هناك تعليقات: