2008-08-06

السودان ومحنة النخب العربيّة

"الجزائر مع السودان ظالمة أو مظلومة" !!! هذا العنوان لست أنا من صاغه، فهو الشعار الذي اختارته "اللجنة الوطنيّة الجزائريّة للتضامن مع الشعب السوداني" على خلفيّة طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدوليّة بإصدار مذكّرة توقيف دوليّة في حق الرئيس السوداني الفريق عمر حسن البشير بتهمة ارتكاب إبادة جماعيّة وجرائم حرب بدارفور. وقد أعلن "فوزي أوصديق" الذي عُيّن سفيرا للمجتمع المدني الجزائري أنه سيحمل رسالة اللجنة التضامنيّة إلى الرئيس السوداني. والجدير بالإشارة أنّ فوزي أوصديق هذا متضلّع في مثل هذه الأنشطة "اللِجانوية"، فقد سبق له أن ترأس "اللجنة الدولية للدفاع عن سامي الحاج" مصوّر الجزيرة المفرج عنه من معتقل غوانتانامو الأمريكي منذ بضعة أشهر.
هذا يطرح بشدّة مسألة هذه اللجان الوطنية والعربية والدولية الكثيرة التي دأبت على البروز بين الفترة والأخرى أي كلّما جدّت مصيبة جديدة في البلاد العربية، لتنطفئ شعلتها بأسرع من البرق.وكما هو واضح لا تحمل هذه اللجنة من التضامن مع الشعب السوداني سوى الاسم، فالمعنيّ الحقيقيّ بهذا "التضامن" هو الفريق عمر البشير، بدعوى أنّه يرمز إلى سيادة السودان على أرضه وشعبه. والحقيقة أنّني لا أرى هنا أيّ رمز، فالسودان بلد مُقطّعة أوصاله شمالا وجنوبا وغربا، وشعبه العريق يرزح تحت ويلات الحروب الأهليّة والمجاعات والفيضانات وسائر الكوارث الطبيعيّة والبشريّة.
ولا يعني كلامي هذا، بلا ريب، مناصرتي لطلب المدّعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية لأنّني لا أشكّ لحظة في انّه جاء -بشكل أو آخر- تنفيذا لتعليمات الولايات المتحدة الأمريكيّة التي تشترط في الوقت نفسه عدم المساس بعسكرييها مهما كانت جسامة الانتهاكات اللاإنسانيّة التي يرتكبونها... فالإشكال يكمن في هذه العقلية الإنفصامية التي يتسم بها السواد الأعظم من "النخب" العربيّة عند معالجة قضايا شعوبها وما إليها من متطلّباتها التنموية والديمقراطية. أعود إلى الشعار الذي رفعه ممثلو المجتمع المدني الجزائري القائل بأنّ "الجزائر مع السودان ظالمة أو مظلومة"، يتضح أنّ هذا الشعار مستمدّ من الحديث النبوي القائل: "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما". فحتى من داخل المنظومة الفقهية تتراءى المغالطة المتلبسة بهذا الشعار، لأنه جاء منقوصا مبنى ومعنى ممّا يتمّمه، وهذه بقيّة الحديث "فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أرأيت إن كان ظالما فكيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره" (رواه البخاري في صحيحه).
المعنى إذن قد لا يحتاج إلى مزيد من التوضيح والاجترار، ولكن قد أعود إلى الملف السوداني في مناسبة قادمة. يبقى أن أشير إلى حدث مأساوي تتصارع معه هذه الأيّام فئات كثيرة من الشعب السوداني، ولكنّ أجندة هذه اللجان وما شابهها من وسائل الإعلام لم تعره أيّ اهتمام وهي:
- كارثة 1: أدّى إنشاء سدّ مثير للجدل وما رافقه من سيول وفيضانات في مناطق واسعة شمال العاصمة الخرطوم إلى تشريد عشرات الآلاف من السكان ويُخشى -حسب تصريحات رمية- أن يتسبّب ارتفاع منسوب نهر النيل خلال الفترة المقبلة في غرق نحو ألف (1000) أسرة سودانية.
- كارثة 2: تسبّبت السيول والفيضانات في مدينة أويل جنوب السودان (ولاية شمال بحر الغزال) في تدمير آلاف المنازل وتشريد 160 ألف أسرة ونفوق 10 آلاف من المواشي، إلى درجة أن الوالي أعلن أن "الوضع خرج عن السيطرة"، رافعا بذلك الراية البيضاء...
يحدث كلّ هذا الألم والموت دون أن يحظى الشعب السوداني بحملة أو حتى لمحة لا من قبل تلك اللجان ولا من أنظمتها وكلاهما منتفخ، من الماء إلى الماء، بمواويل التضامن العربي المشروخ...

ليست هناك تعليقات: