2008-11-16

- الملتقى الدولي لمعهد الصحافة حول الإعلام والرأي العام

الرأي العام العربي وإستراتيجيّات الوهم!!

أمران تسبّبا في تأخّري عن مواصلة تغطية الملتقى الدولي لمعهد الصحافة. أولا: الكسل "قتله الله"، وثانيا: التزامي بإعداد تغطية متكاملة عن الملتقى لإحدى الدوريّات يفترض أن أسلّمه لرئيس التحرير غدا الاثنين، وخشيت أن أكرّر المضمون ذاته الذي سأنشره في مدوّنتي بغض النظر عن الاختلاف الطبيعي لأسلوب الصياغة في المحملين. على كلّ سأحاول الاجتهاد أكثر حتّى لا أخلّ بالتزامي لا هنا ولا هناك.. وسأكتفي بعرض أهمّ مضامين بعض المداخلات..

الخواء النظري
كان يُفترض أن يلقي الأستاذ يوسف بن رمضان مداخلة أولى خلال الجلسة الأولى للملتقى تحمل العنوان الاستفهاميّ التالي "هل يمثل الرأي العام مشكلا اجتماعيّا أساسيّا بالنسبة إلى المجتمعات العربية المعاصرة؟"، والواضح من هذه عنونة هذه المداخلة أنّها كانت مؤهّلة لتحديد النطاق النظري العام للملتقى. ولكنّ الأستاذ بن رمضان تغيّب لأسباب عائليّة حسب ما أعلن رئيس الجلسة العلميّة الأولى الأستاذ رضا النجار. والنتيجة إذن قد تبدو معلومة، فقد غابت البوصلة العلميّة العامّة للملتقى فبدا وكأنّه بلا رأس، غير أنّ ذلك لا يعني أنّ الملتقى قد فشل في تحقيق أهدافه. فهو نتاج رصيد متراكم من التجربة الحاصلة لمعهد الصحافة عبر سنوات عديدة. وقد ألقيت مداخلات قيّمة جدّا رغم قلّتها ورغم الضعف النظري الحادّ الذي اتّسمت به مداخلات أخرى. وعموما فإنّ موضوع الملتقى المتعلّق بالرأي العام يبقى على أهميّته إشكاليّا، ولذلك لا يمكن الحسم في القضايا التي طرحت أثناءه.
وسأجمل حديثي فيما يلي عن مداخلتين وحسب:

الإستراتيجيّة الواهية
تحدّث أكثر من محاضر عن حالة التشرذم الذي يتّسم بها الإعلام العربي عموما، وهذا أمر معلوم لاعتبارات عدّة، غير أنّ البعض قد ربط ذلك بغياب إستراتيجيّة إعلاميّة عربيّة موحّدة. ومن بين هؤلاء يمكن أن نذكر الأستاذ معز بن مسعود الذي يُدرّس حاليّا بمملكة البحرين. وقد ألقى مداخلة: "المعادلة الصعبة بين حياديّة وسائل الإعلام وحريّة الرأي العام: هيمنة الغرب الاتصاليّة وإشكاليّة المواجهة". وهو إذن عنوان مطوّل وطنّان، ولكن كيف كان المضمون؟؟.
بسرعة شديدة عرض المحاضر عددا من الاستنتاجات تبدو من قبيل الملاحظات العامّة المنبهرة بنظريّة التأثير وبفكر المؤامرة، إذ أقرّ دون تعليل علمي أنّ التفوّق الإعلامي الغربي يعني تهديدا للهويّة وتضليلا للرأي العام. واعتبر أنّ ذلك يُجسّد تبعيّة الإعلام العربي للإعلام الغربي. والحلّ في رأيه يكمن في مواجهة الهيمنة الاتصاليّة للغرب عبر إقرار إستراتيجيّة إعلاميّة عربيّة..
ورغم تقديم الأستاذ معز بن مسعود بعض المقترحات ضمن ما يُسمّيه بالإستراتيجيّة الإعلاميّة العربيّة، أجد نفسي مستغربا مثل هذا الطرح غير الواعي بخصوصيّات البلاد العربيّة. فالعارف يُدرك أنّ بعض المجتمعات العربيّة لا تشترك سوى في الديانة السائدة واللغة الرسميّة، أيّ أنّ هذه المجتمعات غير متجانسة على مختلف الأصعدة، ومن ثمة فإنّ أي إستراتيجيّة مشتركة ستبقى حبرا على ورق إلاّ إذا كان الهدف منها مزيد تكميم الأفواه. حقيقة لا أفهم وجود إستراتيجيّة يمكن أن تُحدّد توجّهات الرأي العام، هذا إن عُرفت توجهاته أصلا !!

المهاجرون الجدد
هذا هو العنوان الفوقي لمداخلة الأستاذ جمال الزرن، وعنوانها الكامل هو: "المهاجرون الجدد: الإرهاب والإنترنت: الفتنة الكبرى: تجليّات رأي عام إلكتروني". لن أركّز على العنوان فقد أحسن المحاضر تهجينه، وأراني لا أقوى على فهم أسراره. المهمّ أنه انطلق في بحثه بعرض نتائج سبر للآراء أنجزه موقع "الجزيرة.نت" منذ فترة تعلق بالتفجيرات التي استهدفت مكاتب الأمم المتحدة في الجزائر وأدّت هناك إلى قتل عدد من موظفيها. وقد تضمّن هذا "الاستفتاء" سؤالا ملغوما عن مدى الموافقة على تلك التفجيرات، وكانت الفاجعة بأن أجاب نحو 54 بالمائة من المشاركين بنعم للتفجيرات أي نعم للقتل. ورغم هول ما جاء في سبر الآراء هذا فإنّه من المبالغ جدّا أن يعتبر المحاضر أنّه استفتاء سيتمّ التأريخ به لبدايات تشكل رأي عام افتراضي عربي. فالكثير من المواقع تكتظ بالاستفتاءات المشابهة وبالفتاوى التكفيريّة والدعوة إلى هدر الدماء التي تجد استحسان روّاد تلك المواقع.
ومن جانب آخر رأى المحاضر أنّ شبكة الإنترنت قد أضحت ملاذا للمهمّشين، وفي مقدّمتهم المتطرّفون والمتعصّبون الذين أُغلقت أمامهم الفضاءات العامّة فتوجّهوا إلى الفضاءات الافتراضيّة للتعبير فيها بأكثر شراسة واستخدام كلّ الوسائل التي تتيح لهم تنفيذ مخطّطاتهم الإرهابيّة. وقد لقّبهم المحاضر بالمهاجرين الجدد نظرا إلى أنّ الإنترنت لا وطن له، على غرار سائر الإرهابيين الذين يطلقون اليوم على أنفسهم لقب المهاجرين وذلك تبرّكا بالمهاجرين مع النبي، فهم أيضا قد تمّ تهجيرهم من أوطانهم إلى أرض أخرى أضحت فيما بعد منطلقا لممارسة "للجهاد الأعظم". ومن ثمّة رأى المحاضر أنّ شبكة الإنترنت أضحت رهينة أو "سبيّة حرب للإرهابيين" يرتعون فيها بحريّة بسبب اعتبارهم "افتراضيين" غير موجودين على أرض الواقع.
وعموما يبقى هذا رأيا شخصيّا أكثر منه تحليلا واقعيّا لأنّ شبكة الإنترنت أوسع بكثير من إمكانيّة سبيها من قبل فئة معيّنة رغم خطورة هؤلاء. ومن ثمة لا يمكن لهؤلاء تحديد مواصفات رأي عام إلكتروني محتمل. كما أنّ مواقع الواب المحسوبة على هؤلاء تخضع لرقابة مشدّدة من قبل سائر الأنظمة السياسيّة والمخابراتيّة في العالم. ومن التبسيط غير الواقعي أن نعتبر أن الشبكة العنكبوتيّة قد تحوّلت اليوم إلى محظيّة للإرهابيين يوظّفونها كما يريدون. وقد ينطلي علينا هذا الحكم إذا كنّا لا نعرف كيف نمسك فأرة الحاسوب.
ملاحظة: أنا بصدد إعداد تغطية متكاملة ومهيكلة وذات عمق نظري عن الملتقى المذكور، سأدرِجُها في المدوّنة بعد نشرها في إحدى الدوريّات بعد أيّام. وهي فرصة من الآن إلى ذاك الحين كي تشهد المدوّنة بعض التنوّع من حيث المواضيع والمضامين.

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

شكرا على ه$ه التغطية وشكرا على دفعك للحراك الفكري في الفضاء الإفتراضي

جمال الزرن www.jamelzran.jeeran.com

"شبه مواطن" يقول...

أشكرك على التفاعل يا أخ جمال، ولو أني أرى نفسي مقصّرا في عدم التوسّع في الكتابة عن هذا الملتقى الهام جدّا في تقديري المتواضع. طبعا فهمتَ أنّ تعليقي على مداخلة بعينها يعكس اهتمامي بمضامينها ربّما أكثر من غيرها. وعموما، فإنّ الفضاء الافتراضي يبقى على أهميّته محدود التأثير على المدى المنظور في هذا المجال العربي الذي لايزال يعيش انحسارا نظرا إلى الأميّة الأبجديّة السائدة فما بالك بالأميّة الرقميّة.. أشكرك كذلك على إدراجك رابطا إلى مدوّنتك المتخصّصة، هي فرصة لقراءة مضامين مغايرة للسائد الافتراضي..
دمت بخير