2008-11-12

- عن حقوق الإنسان وحقوق الحيوان هنا وهناك..!!

التشهير بارتكاب مجازر للحيوانات في دنمارك هل يُناقض إثارة قضايا حقوق الإنسان في البلدان العربية؟!
* لماذا هذا التقديس للدول الغربيّة؟!
ما دفعني إلى كتابة هذه الورقة هو اهتمامي بتعليق كتبه أحد المبحرين في المدوّنة بشأن الورقة السابقة المعنونة بـ"الدنمارك ومهرجان العار"، وقد فضّلت عدم الاكتفاء بجرّد تعقيب عن التعليق نظرا إلى أهميّة الموضوع. أمّا التعليق فقد طرح فيه على حدّ ما فهمت "مسألة الخلط الذي وقعت فيه بين الحديث عن مسألة احترام الحريّات والحقوق ومسألة حقوق الحيوان، خاصّة وأنّنا في حدّ ذاتنا متورّطون -حسب رأيه- في ممارسات مماثلة مثل أساليب صيد التن في سيدي داود وكذلك اجتماع المسلمين على ذبح الخرفان في عيد الأضحى". ومن ثمّة يعتبر أنه "من الأجدر بنا أن نهتمّ بإصلاح مجتمعنا لا مجتمعات الآخرين، لاسيّما أنّ دنمارك تتفوّق علينا حضارةً وحريّةً ثمانين عاما" على حدّ رأيه الذي ورد بالدارجة التونسيّة. بطبيعة الحال، الإيجابي في كلّ هذا هو التفاعل الذي يُحدثه النقاش والجدل في نطاق الاحترام رغم تباعد وجهات النظر بل وتناقضها أحيانا.
ومن البديهيّ أن أقول إنّ منظومة حقوق الإنسان قد شهدت تطوّرا كبيرا عبر السنين والعقود، ولكنّ ما أصبح محلّ إجماع في الساحة الحقوقيّة هو أنّ منظومة حقوق الإنسان شاملة متكاملة لا يمكن تجزئتها، ومن بينها ما يُعرف بالجيل الرابع لحقوق الإنسان الذي يضمّ الحقوق البيئيّة أو الحقّ في بيئة سليمة بما في ذلك حقوق الحيوان. والأكثر من ذلك أنّ الحقوق البيئيّة أصبحت أحد المقاييس المعتمدة في الأمم المتحدة والمنظمات المتفرّعة عنها في تحديد درجات النمو والتنميّة في مختلف المجتمعات بما يُسمّى التنمية المستديمة. وميزة الحق في بيئة سليمة هي أنّه حق كوني مشترك مهما تباعدت الدول بحكم التأثير والتأثّر المتبادل في هذا الشأن، فمثلا الإشعاعات النوويّة التي أفرزها انفجار مفاعل تشرنوبيل لم تقف عند حدود الاتحاد السوفياتي السابق أو جمهوريّة روسيا الاتحاديّة وإنّما انتشرت مضارّها متجاوزة الفضاءات التي انطلقت منها إلى بلدان بعيدة أخرى.. من هنا إذن تتبيّن مسوّغات ضرورة التشهير بتلك الانتهاكات البيئيّة وإن حدثت في دول معروفة بسجلّها النظيف في مجال حقوق الإنسان مثل دنمارك...
وأعود إلى الأمثلة التي تمّ ذكرها في التعليق بخصوص صيد التن وذبح الخرفان في عيد الأضحى، إذ وإن اختلفنا في طريقة التعامل معها فإنه من المنطقي ألاّ نختلف عن الهدف من وراء ذلك وهو تخصيص لحومها للغذاء، علما بأنّ العرب والمسلمين ليسوا أبدا في مقدّمة من يتناولها غذاءً. فاليابان هي مثلا أكبر مستهلك للتنّ، كما أنّ أستراليا ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكيّة هي أكبر دول تستهلك شعوبها اللحوم بمختلف أصنافها. وهذا ببساطة ما تُبيّنه الإحصائيّات العالميّة.
أمّا مسألة الحقوق والحريّات، فإنّه لا يسعني إلاّ العودة إلى التساؤل الذي طرحته في عنوان هذه الورقة وهو: هل أنّ التشهير بارتكاب مجازر للحيوانات في دنمارك يُناقض إثارة قضايا حقوق الإنسان في البلدان العربية؟؟ يتضمّن هذا الطرح تعارضا مفاهيميّا قد لا يمكن الأخذ به على أساس أنّ لكلّ مقام مقال، فهذا لا يُطرح -في تقديري- مع ذاك على الرغم من عدم وجود تناقض بين الأمرين. فمثلا بالنسبة إلى دنمارك ولئن تتميّز بسجلّ ناصع في مجال حقوق الإنسان والحريّات وفي مقدمتها حريّة التعبير فإنّ ذلك لا يعني أن نلتزم الصمت إزاء انتهاكها أو تجاهلها لشروط البيئة المستديمة وتورّط بعض الفئات من مواطنيها في مجازر مرعبة ومخزيّة تلحق بالحيوانات. وهنا نتساءل أيضا: هل علينا كذلك السكوت عن ممارسات دول متشبّعة بالتقاليد الديمقراطية في انتهاك حقوق أساسيّة لدول وشعوب أخرى كالرمي فيها مثلا بمخلّفاتها النووية أو الكيميائيّة بدعوى أنّ تلك الدول والشعوب متخلّفة وأنظمتها مستبدّة.؟!!!
وما ينبغي التأكيد عليه في هذا السياق هو أنّنا نعيش اليوم في حضارة معولمة كونيّة لم يعد من الممكن التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان باختلافها سواء جدّت في الدول العربيّة وهي كثيرة وصارخة في أحيان عديدة أو في الدول الغربيّة التي لها نصيبها من تلك الانتهاكات الحقوقيّة سواء في ما يتعلّق بالتنمية المستديمة أو ما يخصّ ممارستها المنهجيّة لإرهاب الدولة في إخضاع شعوب بأكملها للاحتلال والحرب والتشريد، وفي تورّط دول ديمقراطيّة أخرى في الممارسات ذاتها عبر غضّ الطرف عن تلك الانتهاكات الجسيمة أو الموافقة على ارتكابها..
ومن هنا نأتي إلى بيت القصيد وهو أنّ دولا ديمقراطيّة مثل دنمارك وغيرها صحيح أنّها تفوقنا تطوّرا واحتراما لحقوق الإنسان وينبغي أن نقوم بكلّ مستطاعنا للنسج على منوالها في مجال احترام حقوق الفرد والجماعات، ولكنّ علينا في الآن ذاته نزع هالة القداسة التي نُحيطها بها. فنحن -رغم ما يُقال عن الخصوصيّات- فإنّنا ننتمي إلى حضارة كونيّة واحدة، وعلينا ألاّ نخجل من التشهير بانتهاكات غير مبرّرة تورّطت فيها تلك الدول.

(مصدر الصورة: تدمير الطبيعة - نقلا عن موقع بيت الكرتون)

هناك 6 تعليقات:

ART.ticuler يقول...

trés bien ecrit,ya3tik essa7a

Anastácio Soberbo يقول...

Olá, goût très du Blogue.
Il est très beau.
Désolé de ne pas écrire plus, mais mon français écrit est mauvais.
Une étreinte du Portugal

مرحبا ، أنا أحب بلوق.
عذرا لم يكتب أكثر ، ولكن بلدي هو الكتابة العربية سيئة.
وهناك عناق من البرتغال

Julian Sark يقول...

voici les photos pour voir
l´atrocité des l´actions

http://www.lepost.fr/portfolio/2008/11/02/1314030_danemark-iles-feroe-le-massacre-annuel-des-calderons.html

اللي قلتو الكل صحيح اما بالنسبة ليا انا
تبريرك نتيجة القتل للغذاء ما يمنعش اللي الناس ينضرولها على اساس انها تصرف همجي
و شكون قالك بالكشي من بعد يستعملوها هي و لحمها في حاجات احنا نجهلها
نقطة اخرى راهو مش تقديس اما كيف دولة تعطي حقوق الانسان من بعد حقوق الحيوان يتم النضر فيها زادا
اما يضهرلي مستعجلة شوية كيف تعمم و تقول دول نالهو فاها , و تقصد العرب على خاطر احنا في طبيعتنا الحيوان ما عندوش قيمة من غير ما نكذبوا على الدول متاعنا و بالخصوص كيف يبدا الانسان بيدو ما عندوش قيمة في دولنا.
إنتي بادرة طيبة منك اما انا نحاول نركز اولا على حقوق البشر و خاصة المراة و الطفل اللي مخنوقين في بلدان العرب عرضة للغصب فالزواج والبيدوفيليا اللي يسميوه زواج
واذاكا علاه اع احترامي لللي كتبتو انتي يضهرلي مادام مازلنت ما نضفناش المجتمعات العربية من اللي ذكرتو هذا يكون منالاحسن ما ننقدوهمش و نستنتجوا منها ديراكت اللي هيا انتهاك حقوق
صحيح في تونس ما عناش منو هالخرم اما ماك تعرف بالنسبة ليهم الكلكم عرب

Julian Sark يقول...

correction :

de l ´action

khater l ecriture à droite dhay3tini !

Julian Sark يقول...

hedha me yemna3ech eli ena dima naqra fil blog mte3ek , weta3adoudya fel ara2 behya medemy mehech btariqat jar7 chakhsya !

"شبه مواطن" يقول...

شكرا على التفاعل، وعذرا للإجابة متأخرا لأنّني كنت منشغلا طيلة اليوم في الملتقى الدولي لمعهد الصحافة الذي سأكتب عنه لاحقا (أي بعد نهاية أشغاله غدا)
أمّا بالنسبة إلى الاختلاف في الأراء فهذا لا يُزعجني إطلاقا مادام في نطاق أخلاقيات الحوار غير المتشنّج والبعيد عن التجريح الشخصي، مثلما قلت أنت بالضبط..
وهنا أودّ القول إنّ تراثنا "العربي الإسلامي" بشكل عام يتضمّن -رغم ممّا نعيشه اليوم من ركود في مختلف المجالات- مواطن مميّزة ينبغي الاستفادة منها وتفعيلها.. أقول هذا طبعا دون شوفينيّة أي دون تقوقع وانغلاق أو عُقد نقص وتفوّق وبلا شكّ بعيدا عن رفض الآخر والسقوط في منطق الضحيّة ونظريّة المؤامرة..
وهنا أودّ الإشارة إلى قولين جميلين أذكرهما بعيدا عن أبعادهما الدينيّة وهما: "الاختلاف رحمة" و"الاختلاف لا يُفسد للودّ قضيّة"
دُمتم بخير