2009-07-20

- الأخطاء الطبيّة مجدّدا.. غول قاتل..

ملف الأخطاء الطبيّة في تونس.. متى سيُفتح؟؟؟
أعلمني صديق طبيب التقيت معه بالأمس أنّه استقبل منذ منذ أيّام مريضة تعاني من أوجاع رهيبة في مستوى البطن والمعدة، المسكينة تعاني انتفاخا ضخما جدّا في هذا المكان بجسدها وقد بدأت تلك الأوجاع تلازمها منذ خضوعها قبل أربعة أشهر لعمليّة توليد قيصريّة في مستشفى "وسيلة بورقيبة" بالعاصمة. واصل صديقي رواية "الأحجية" قائلا إنّه بمجرّد معاينة المريضة ولمس الكتلة المنتفخة اكتشف أنّ جسما أجنبيّا يمكث في بطنها وباعتماد آلة التصوير أو "الإيكوغرافي" تأكّد من وجود جسم غريب يفوق في حجمه مجرّد لفافة تنظيف (compresse).. بلا تردّد أعلم صديقي مريضته بالأمر وطلب منها العودة إلى المستشفى المذكور والطبيب الذي قام بتوليدها قيصريّا (حسب ما تنصّ عليه لوائح عمادة الأطبّاء!!!).. رفضت المريضة رفضا قاطعا العودة إلى الطبيب ذاته مخافة أن يتمّ في هذه المرّة إرسالها إلى الرفيق الأعلى وقرّرت إجراء عمليّة في إحدى المصحّات الخاصّة، ولكن بتوجيهها إلى طبيب مختصّ ثانٍ أعلم المريضة بأنّ هناك معدّات لازمة لا تتوفّر إلا في المستشفيات العموميّة وفعلا قبلت المريضة وأجرى لها الطبيب عمليّة عاجلة بمستشفى "شارل نيكول" بالعاصمة.
كم كان هول المفاجأة حين اكتشف الطبيب أن ببطن المريضة قطعتين كبريين من القماش لا مجرّد لفافة تنظيف منسيّة؟.. من يدري؟ ربّما تمّ اقتطاعهما من لحاف السرير أثناء العمليّة لمسح الدماء ثمّ "نُسيا" في بطن المسكينة قبل رتق ما فُتح من بطنها. ومن سوء حظ المسكينة أنّ قطعتي القماش أتتا على الأخضر واليابس في بطنها الذي امتلأ قيحا متعفّنا والتهم جوانب عدّة من أمعائها الغليظة منها والرقيقة حسب رواية الطبيب المختصّ، فقد تخثرت الأمعاء واختمرت وذاب بعضها وتشابك ما بقي منها وأصبحت تصبّ في بعضها البعض كقنوات الصرف الصحّي في بعض الأحياء الشعبيّة، وكادت تنتهي بالمسكينة إلى حيث الذهاب بلا رجعة...
طبعا هذا خطأ لا يُغتفر، كاد يتسبّب -بلا أدنى مبالغة- في نهاية بحجم الجريمة، ولكنّ المريضة -منكودة الحظ أولا والمحظوظة ثانيا- أنقذها طبيبان يؤمنان بنبل هذه المهنة وبشرفها، بعد أن نكبها "طبيب" لا يستحق لقبه المهني. الطبّ يبقى مهنة ذات خصوصيّة لا ينبغي أن يطأها أشخاص منعدمو الأخلاق والضمير، غير أنّ الواقع مغاير.. فالأخلاق لا يمكن اختبارها زمن الامتحان قبل التخرّج.. قال أحد الأصدقاء: لماذا هالة التقديس التي نحيط بها الأطباء؟، فقبل كلّ شيء هم جزء من هذا المجتمع بكلّ ما فيه من صالح وطالح تماما كالتجّار والمحامين والصحفيين والقضاة والمعلّمين وسائر أفراد المجتمع..
وللأسف الشديد هذا الخطأ الطبّي لا يعدّ حالة فرديّة، صحيح أنّ الأمر لا يرقى إلى درجة الظاهرة ولكنّ الحالات متعدّدة وقد تكون كثيرة. سأروي باختزال ثلاث حالات أعرفها شخصيّا، أوّلها يتعلّق بوالدتي فقد كانت منذ بضع سنوات تعاني من ضعف كبير في البصر أثّر فيه إصابتها بمرض السكّري وقمت بعرضها على طبيب مختصّ في طبّ العيون بالليزر له مصّحة بمنطقة المنزه السادس في العاصمة. وبعد التشخيص أجرى لها حصتي علاج بالليزر، وفي آخر حصّة في الأسبوع نفسه!.. ماذا أقول، كم بكيت بعد خروجها لأنّها دخلت المصحّة تنظر بعُسر وخرجت منها فاقدة تماما للبصر.. إلى حدّ اليوم ألوم نفسي فأنا من عرضها على ذلك الطبيب الجهبذ، ولا أعرف أيضا لماذا تغافلت عن تقديم شكوى بذلك المتطبّب!.. تصوّروا شخصا، بعد الستين من عمره يفقد النظر في لمح البصر، نعم أصبحت الدنيا مظلمة من حول أمّي بكلّ من فيها وما فيها بسبب سوء تقدير طبّي حسب تشخيص طبيب آخر.. منذ ذلك اليوم قرّرت أمّي عدم مغادرة بيتها بل وسريرها، فعانت ما عانت ولا تزال..
حالة ثانية رواها لي طبيب صديق آخر، كانت ترتاد مصحّته إمرأة في عنفوان الشباب، كانت جميلة ومقتدرة ماليّا حسب ما ذكره صديقي..قرّرت يوما إجراء عمليّة تجميل لتخفّف من وزنها وتزيد من رشاقتها، ذاك من حقها ولله في ما يعشقون مذاهبُ.. أجرت لها طبيبة في إحدى مصحّات العاصمة عمليّة جراحيّة لاقتطاع بعض الشحوم من بطنها.. ماذا حلّ بها؟ لم تُمض المرأة سوى يوم واحد بقوامها الجديد لتلفظ أنفاسها، والنتيجة ماذا؟ مجرّد تحقيق أمني لا نعرف ما آل إليه..
المثال الثالث يتعلّق بطفلة بريئة جميلة هي بنت أحد الزملاء الإعلاميين.. ألمّت بها حمّى كسائر الأطفال والرضع، أخذها والدها مسرعا إلى المستشفى، كيف عولجت ولماذا ماتت لمجرّد إصابتها بحمّى؟؟.. كاد والدها يفقد صوابه، كتب عن الأخطاء الطبيّة مرّة ومرّات، أثر المُصاب في مسار حياته، أدرِكُ ذلك، وماذا بعد.. رحمها الله..
ملف الأخطاء الطبيّة ملف عسير، يصعب فتحه نظرا إلى أسباب وربّما مصالح شتّى.. غير أنّ ذلك لا يحجب ما بلغته البلاد من تطوّر في أنظمتها الطبيّة، والدليل ما أصبح يُعرف في تونس بالسياحة الطبيّة أو الصحيّة التي تستقطب للعلاج الكثير من الأجانب عربا وأوروبيين. هل يعني ذلك أن نجد مبرّرات وأعذار لمن لا عذر لهم؟.. ربّما لكلّ مهنة أخطاؤها وقد يتأثر أصحابها كغيرهم بما في المجتمع من آفات وسلوكيّات مهترئة، لكنّ الطبّ مهنة تبقى لها خصوصيّتها، ومن أجل سلامة الجميع لا بدّ أن يُحاسب بعسر شديد كلّ من يُخلّ بجسامة القسم الذي أدّاه قبل أن يُباشر حياته المهنيّة، أمّا عمادة الأطباء فلا ينبغي أن تتساهل أو تتضامن مع من يرمي بعرض الحائط أغلى ما يمتلكه البشر.. هل يكون هذا النداء كصيحة في واد.. البقيّة معروفة على حدّ تعبير الكواكبي.. دامت صحّتكم بخير..
مصدر الصورة: رسم كاريكاتوري لعادل القلاف www.flickr.com

هناك تعليق واحد:

Free.art يقول...

واحد آش باش يقول!! ربّي يطيّحنا في يدين طبيب عندو ضمير!!