2009-07-01

- أكذوبة استقلاليّة القضاء في إسبانيا وما شابهها..

استقلاليّة القضاء في زمن هذا الغرب الضاحك على الذقون... أو الحداثة في سوق النخاسة...
هل بقي لاستقلاليّة المؤسّسات في الدول الغربيّة معنى اليوم ؟ تساؤل تبادر إلى ذهني بعد اطلاعي في احدى الصحف الصادرة اليوم على قرار المحكمة الوطنيّة الإسبانيّة أمس بإغلاق تحقيقها القضائي بحق مسؤولين إسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضدّ الإنسانيّة... أوضح الخبر أن هذه المحكمة أخذت بتوصيات النيابة العامّة (الإسبانيّة) وتمّ حفظ الملف. تحقيق فُتح استنادا إلى دعوى قدّمها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ضدّ وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بنيامين بن أليعازر وستة من كبار قادة الجيش الإسرائيلي على خلفيّة عمليّة قصف في غزة سنة 2002 أدّت إلى مقتل 14 مدنيّا فلسطينيّا وإصابة العشرات بجروح. عدد من السياسيين الإسرائيليين بادروا بالترحيب بالقرار وتوجيه الشكر إلى إسبانيا، وقد شدّ انتباهي تصريح رئيسة حزب "كاديما" تسيبي ليفني التي شكرت بالخصوص وزير الخارجيّة الإسباني ميغيل موراتينوس على ما وصفته بـ"الجهود المضنية" التي بذلها في سبيل إلغاء القضيّة وإغلاق ملف التحقيق نهائيّا.
نصّ الخطاب يبدو في تقديري واضحا لا يحتاج إلى بحث عميق لفهم مقاصده. فالسلطة التنفيذيّة مُمثلة في وزير الخارجيّة الإسباني نفسه هي التي مارست كلّ الضغوط الممكنة على القضاء الإسباني حتى يتراجع عن هذه القضيّة وإغلاق ملفها. والنتيجة الواضحة -بصرف النظر عن حيثيّات ملف الدعوى- أنّ القضاء الإسباني قبِل بما يُسمّى بتلك الضغوط، وتخلّى تلقائيّا عن استقلاليّته المزعومة. وإذا اعتمدنا قاعدة "القياس الأرسطي" التي أراها قد استعادت نجاعتها بفعل التقادم فإنّه لم يعد بالإمكان الحديث عن استقلال القضاء في إسبانيا. وإذا أصبح هذا القضاء مفتقدا للحياد والاستقلاليّة في قضايا على علاقة بجهات أجنبيّة مثل إسرائيل فذاك يعني أنّه يمكن أن يتنازل ويتخلّى عن حياده حتى إزاء القضايا الداخليّة وليس فقط لأنّ إسرائيل تقف على خطّ المواجهة... فقد يكون الأمر مفهوما إذا تعلّق بموقف إحدى الحكومات الغربيّة. فلا أحد يُشكّ أو يُشكّك في الانحياز الغربي الأعمى لإسرائيل المتأسّسة على الاغتصاب وإسرائيل الضاربة بالشرعيّة الدوليّة عرض الحائط وإسرائيل المتباكية المتظلّمة دائما وإسرائيل الممثل الخارق لدور الضحيّة...
أمّا أن ينسحب الأمر على القضاء في إسبانيا ومن قبلها في بلجيكا بشأن محاكمة الإرهابي شارون، فذاك مشهد يُسّس للعهر السياسي المفضوح في دول أمسكت بخيوط الحداثة قبل نحو قرنين، وذاك أيضا عين التراجع عن القيم الحداثيّة وعن منهج مونتسكيو بشأن الفصل بين السلطات.. دول تشجّع -في المقابل- صناديقها على رصد ميزانيّات لتشجيع بلداننا "الخارجة عن التاريخ" على إصلاح مؤسّساتها ومن بينها القضاء... هل هذه الحداثة التي يُرجى لنا أن نقتدي بها ؟ أو ربّما حدث العكس واضطرّت إسبانيا وما شابهها إلى الاقتداء بـ"حداثتنا" وحياديّة مؤسّساتنا...
هل هناك سبيل لنصف استقلاليّة ونصف حياد.. تلك حداثة وما بعدها أضحى الغرب يروّجها في سوق النخاسة...
مضحك، مبكي، ما حلّ بهذا العالم... انتهى زمن المرجعيات وحلّ دهر الرجعيّات... بئسا لهذا العدم، لم يعد قادرا على احتضان موطئ قدم لاستنشاق بعض شذرات من الحريّة...

ليست هناك تعليقات: