2008-08-08

دلالات الصمت في خطاب الحبيب بن يحيى بشأن الانقلاب في موريتانيا

صمت الشجعان*
قبل غيره من "المسؤولين" العرب، تحوّل الأمين العام لاتحاد المغرب العربي الحبيب بن يحيى إلى نواكشوط لمعرفة حقيقة الأوضاع في موريتانيا على إثر الانقلاب الأخير. وفي مثل هذه الظروف الغامضة، يبدو التوجّه إلى نواكشوط ولو عن اضطرار تحرّكا يُحسب له..
واقتصر ما أعلنه بن يحيى لوسائل الإعلام وتحديدا للوكالة الموريتانية للأنباء AMI على ما يلي: "كلفت من طرف الأخ القائد معمر القذافي رئيس مجلس رئاسة اتحاد المغرب العربي بمهمة التعرّف والاطلاع على الأوضاع في موريتانيا والاطمئنان كذلك عليها، بما فيه الخير والأمن والاستقرار والانفتاح لشعب موريتانيا وقيادتها". ولا نرى في الحقيقة أنّ الأمين العام لاتحاد المغرب العربي قد قال غير ذلك، وإلاّ لأعلن ما يراه مناسبا لوسائل إعلام أخرى دون أن يتورّط بشكل مباشر فيما جاء في التصريح الأوّل للوكالة الموريتانية التي تركّز كلّ أخبارها اليوم على مشروعيّة ما تسمّيه "حركة تصحيح المسار الديمقراطي"!!!
الحبيب بن يحيى لم يقل شيئا إذن وربّما في ذلك لبّ القول والخطاب، فالصمت سمة مطلوبة لدى كبار المسؤولين.. ومع ذلك لا نعتقد أنّ قادة دول المغرب العربي قد حدّدوا له سلفا الكلمات التي سيقولها لوسائل الإعلام في نواكشوط أو حتى بعدما يعود إلى مقر الأمانة العامّة في الرباط. فلننظر مثلا إلى تصريحات الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى فهي من فصيلة أخرى تماما. وبغض النظر عن تقييمنا لهذه الشخصيّة وللجامعة العربية عموما فإنّ عمر موسى يُعطي الانطباع بأنّه مسؤول له مكانة اعتباريّة تتيح له الإفصاح بالمواقف الضروريّة (والشعبوية أحيانا). وهذا لئن اعتبرناه ميزة فإنّه قد أدّى كذلك إلى انتقاده بشكل لاذع جدّا من قبل كبار المسؤولين الخليجيين المتنافخين في أكثر من مناسبة.
الحبيب بن يحيى موظف كبير يعمل في صمت، وكبار الموظفين في بلاد العرب غالبا ما تقتصر آمالهم على الفوز براتب مناسب آخر كلّ شهر وبعض المزايا الوظيفيّة الأخرى، لذلك يبدو من غير المناسب مطالبتهم بما هو أكبر من نطاق خدمتهم...!
* العنوان تمّ تعديله في نطاق الرقابة الذاتيّة التي يُمكن أن يُمارسها الصحافيّون في كلّ مكان، وقد تمّ استلهامه من عنوان فيلم "صمت الخرفان" Le silence des agneaux, un film américain réalisé par Jonathan Demme, avec Anthony Hopkins et Jodie Foster
(مصدر الصورة: موقع الواب التابع اتحاد دول المغرب العربي. تُلاحظون أن الصورة صغيرة جدا ولو تمّ تكبيرها لساءت أكثر، فهي غير صالحة للاستعمال وهذه هي نوعيّة الصور الموجودة بهذا الموقع، سنعود إليه تأكيدا)

فـنّ وسياسة

ميني بورتريه:
الفنانة والبرلمانية معلومة بنت الميداح هل ستغنّي للحاكم الموريتاني الجديد؟!
تعدّ أشهر مطربة وفنانة موريتانية في البلاد العربية، كانت لها قصّة طويلة مع السياسة. فعلى خلاف معظم الفنانين العرب لم تكن تغنّي في بلاط السلطان. (م. ز)
كانت معلومة بنت الميداح زمن حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في صفّ المعارضة السياسيّة، وقد انضمّت تحديدا إلى حزب "تكتل القوى الديمقراطية" المعارض. ورغم أن السلطات الموريتانيّة آنذاك لم تمسّ "فنانة الشعب" بأذى مباشر، فقد حُرمت من التمتّع بالحظوة لدى أجهزة الإعلام الرسمي وانحسرت حدود ظهورها وانتشارها في بلاد شنقيط لسنوات عديدة، وهذا على خلاف شهرتها الواسعة خارج موريتانيا التي كانت انطلقت عام 1988 من مهرجان قرطاج الدولي بالذات، ثمّ توسّعت شهرتها إلى سائر دول المنطقة وعوّضتها عن انحسار نشاطها الفني في الداخل الموريتاني.
وفي عهد جديد أضحى اليوم بالقديم، استفادت بنت الميداح من تعديل القانون الانتخابي الذي أصبح يُوجب تخصيص ما نسبته 20 بالمائة من المقاعد النيابية والبلدية للنساء. فشاركت في الانتخابات عن دائرة العاصمة نواكشوط وأصبحت عضوا في مجلس الشيوخ . اكتسب معلومة صفة جديدة، فمن فنانة الشعب في مجتمع قبلي تقليدي أضحت أوّل فنانة برلمانية عربية. أمّن لها ذلك مكانة اجتماعيّة مرموقة، وضمنت راتبا ثابتا مدّة نيابتها التي لم تكتمل. وما لبثت أن عادت إلى مغالبة الوقت وأصدرت ألبومات غنائيّة جديدة علّها تعوّضها عمّا فات، حتى تغيّر المشهد السياسي الذي تصوّرته واعدا.
اليوم الوضع قد يكون مختلفا، ومعالم المرحلة السياسية المقبلة في موريتانيا لم تتضح بعد. كما أنّ السلطة العسكريّة الجديدة رغم إعلانها اعتزام إجراء انتخابات جديدة قريبا فهي ليست محلّ ثقة ولا علاقة لها أصلا بأيّ شكل من أشكال الديمقراطيّة. كما أنّ الانتخابات والمجالس النيابيّة في موريتانيا على غرار نظيراتها في البلاد العربية قاطبة لم يعُد لها للأسف أيّ مدلول في هذه البلاد.
إزاء هذه المتغيّرات ما عسى معلومة بنت الميداح فاعلةً؟ هل ستصمد مثلما فعلت لسنوات وتصطفّ بفنّها الملتزم الجميل (حبيبي حَبّيْتو، لاموني خالاتي..) في خندق المعارضة المأزومة مجددا أم أنّ الزمن لم يعُد يُسعفها ولا بدّ لها من موطئ في قصر سلطان كان منذ أيّام خلت رئيس الحرس في القصر في القصر ذاته، وخبِر معلومة وربّما أحبّ فنّها..!
(مصدر الصورة : middle-east-online)

اللؤم في السياسة

انضبـاط الجنـرالات
حاكم موريتانيا الجديد الجنرال محمد ولد عبد العزيز يُصافح الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله قبل فترة وجيزة من الانقلاب..
واضح أنّه ضابط منضبط شديد الانضباط، وقد رأينا كيف فعل لـتصحيح المسار الديمقراطي الذي بدأه سلفه، وكيف لا نقول ذلك وقد شاهدنا مظاهرات التأييد التي عمّت بعض شوارع كبرى المدن الموريتانية نواكشوط ونواديبو..!
(مصدر الصورة : وكالة الأنباء الفرنسية أ. ف. ب)

2008-08-07

قصيد لأحمد مطر

قصيد من أجل موريتانيا
في هذه الأيّام الحالكة التي تشهدها موريتانيا، أُهدي هذا القصيد إلى صديق عزيز من بلد شنقيط، درسنا معًا بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، وعشنا أيّاما من أحلى سنوات العمر.. كنّا أربعة أصدقاء لا نتفارق في المعهد وحتى خارجه في مناسبات لا تُعد، أربعة كُنّا أنا ومحمد ولد حمدو الموريتاني وغسّان نمر الصحفي والباحث الجامعي الفلسطيني حاليّا وكان رابعنا الصديق الصحفي الفلسطيني الشهيد عزيز يوسف التنح... عزيز غادرنا في أولى أيّام الانتفاضة في أكتوبر عام 2000. أمّا محمد ولد حمدو فلم أره ولم أسمع أيّ أخبار عنه منذ 14 عاما، وليتني أسمع أخباره وأجد سبيلا لرؤيته.
إلى عزيز ومحمد وغسّان وإلى الشعبين الموريتاني والفلسطيني أهدي هذا القصيد الرائع لأحمد مطر:
النـّاسُ للنّـاسِ
يتهادى في مراعيه القطيع.
خلفه راعٍ، وفي أعقابه كلبٌ مطيع.
مشهد يغفو بعيني ويصحو في فؤادي.
هل أسميه بلادي ؟!
أبلادي هكذا ؟
ذاك تشبيه فظيع !
ألف لا…
يأبى ضميري أن أساوي عامداً
بين وضيعٍ و رفيع.
هاهنا الأبواب أبواب السماوات
هنا الأسوار وأعشاب الربيع
وهنا يدرج راعٍ رائعٌ
في يده نايٌ
وفي أعماقه لحنٌ بديع.
وهنا كلبٌ وديع
يطرد الذئب عن الشاة
ويحدو حَمَلاً كاد يضيع
وهنا الأغنام تثغو دون خوف
وهنا الآفاق ميراث الجميع.
أبلادي هكذا ؟
كلاّ… فراعيها مريع.
ومراعيها نجيع.
ولها سور وحول السور سور
حوله سورٌ منيع !
وكلاب الصيد فيها
تعقر الهمس وتستجوب أحلام الرضيع !
وقطيع الناس يرجو لو غدَا يوماً خرافا
إنما… لا يستطيع !

كاريكاتور اليوم: موريتانيا لم تعد استثناءً ديمقراطيّا في البلاد العربيّة.!

كان صرحا فهَوَى..
يوم 16 مارس من العام الماضي خرج الشعب الموريتاني فائزا في أوّل انتخابات حرّة نزيهة يُعايشها منذ استقلال البلاد قبل 47 عاما. فكانت موريتانيا تبدو للوهلة الأولى استثناءً ديمقراطيا في المنطقة العربية بإجماع المراقبين الدوليين، وذلك من حيث العدالة في الفرص أمام مختلف المرشحين ووصول المواطنين إلى صناديق الاقتراع.. ومثلما يُعبّر هذا الكاريكاتير المتميّز بَدَتْ موريتانيا كالتلميذ الذي خرج عن الصفّ ووجب تأديبه. ومع ذلك فقد أثبت الواقع أنّ هذه الديمقراطيّة لم تكن سوى وهمٍ كبيرٍ لأنّ التعدديّة والديمقراطية بلا دولة وبلا مؤسّسات وبلا تنمية وبلا مواطنة تكون ديمقراطيّة عرجاء، مصيرها السقوط، وقد تصبح مخاطرها أكبر... ذاك في تقديري حال موريتانيا اليوم...
وهذا الكاريكاتير يجسّد صورة "دكتاتور عربي..." بصدد توقيع كتاب وجّهه إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، يقول فيه: "الأخ عمرو موسى أقترح على القمة العربية طرد موريتانيا لسلوكها الديمقرطي غير المناسب"

(المصدر: الرسام الكاريكاتوري ناصر الجعفري - جريدة "العرب اليوم" الأردنية.)

انقلاب عسكري يغتال أحلام الموريتانيين

كش مات... وداعا للديمقراطيّة..
بقلم معـز زيّـود
بانقلاب عسكريّ جديد، انتهت التجربة الديمقراطيّة الوليدة في موريتانيا بعد أقل من 17 شهرا على أوّل انتخابات نزيهة منذ استقلال البلاد عام 1960. سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله لم يعمّر طويلا في منصبه بوصفه أول رئيس موريتاني منتخب ديمقراطيا، فقد أصبح اليوم في أدبيات الخطاب العسكري الموريتاني رئيسا سابقا، فيما حلّ مكانه رأس الانقلاب الجنرال محمد ولد عبد العزيز.
ولم يكن هذا الحاكم الجديد لنواكشوط سوى قائد الأركان الخاصة للرئاسة وقائد الحرس الرئاسي، ممّا سهّل عليه عمليّة اعتقال الرئيس ولد الشيخ عبد الله وقلب نظام الحكم دون إزهاق أرواح حتى الآن، لكنّه أجهض تجربة ديمقراطيّة استثنائيّة (ستبقى كالحلم في أذهان أبناء الشعب الموريتاني). وحسبما يبدو من خلال الأخبار القليلة التي تناقلتها وكالات الأنباء الكبرى فإنّ شبه هدوء قد خيّم على الشارع الموريتاني باستثناء مظاهرة صغيرة لم يتجاوز عدد المشاركين فيها خمسين شخصا تمّ تشتيتها بإلقاء القنابل المسيلة للدموع، بالإضافة إلى غلق مطار نواكشوط وإحكام السيطرة على هيئة الإذاعة والتلفزيون وانتشار بعض الوحدات العسكرية في الواقع المحورية في العاصمة الموريتانية.
وتشهد موريتانيا منذ فترة أزمة سياسية انتهت باستقالة 48 نائبا من حزب "العهد الوطني للديمقراطية والتنمية" الحاكم إصدار الرئيس المخلوع قرارا بإقالة خمسة من كبار الضباط من بينهم قائد الانقلاب وقائد أركان الجيش. وفضلا عمّا سبق ذكره، فإنّ قراءة أوّلية لخلفيات هذا الانقلاب تتيح لنا تحديد الأسباب الأكثر احتمالا لما جرى في موريتانيا، وهي كالآتي:
1 - يتضح تورّط عدد من النواب مع قادة للجيش في التمهيد لما جرى في نواكشوط. وفي هذا الصدد فقد أعلن عدد من النواب الحلفاء المفترضين للرئيس المخلوع تأييدهم غير المشروط والصريح للانقلاب فور الإعلان عنه، ومن ثمّة مبايعة الحاكم الجديد. والأكثر من ذلك أنّ النائب المتحدّث باسم البرلمانيين المستقيلين قد أعلن لوسائل الإعلام صراحة أنّ الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله قد "دفع ثمن قراراته الخاطئة" في إشارة إلى قراره بإقالة عدد من كبار ضباط الجيش، وكأنّه ليس من صلاحيّات رئيس الدولة أن يفعل ذلك وهو القائد الأعلى للقوات المسلّحة وفقا للدستور.
2 - بعيدا عن نظريّات المؤامرة وما إليها، قد لا نستغرب أن تكون بعض أجهزة المخابرات الأجنبيّة، وعلى رأسها المخابرات الفرنسيّة وربّما كذلك الأمريكية، ضالعة أو على صلة من قريب أو بعيد بهذا الانقلاب. فقد تعاملت باريس طيلة أمس وبداية اليوم ببرودة غير معهودة مع انقلاب جدّ في إحدى مستعمراتها السابقة. واكتفت فرنسا بالإعلان بأنّ بلاده "معنيّة بالوضع في موريتانيا ومن المبكّر جدّا تقييم الوضع السياسي والعسكري هناك"، في حين أنّها أعلنت منذ أشهر حرصها على سلامة الرئيس التشادي أثناء تعرّضه لمحاولة انقلاب مسّلح وقدمت له دعمها اللوجستيكي لتجاوز ذلك الظرف.
3- إنّ للثروات الطبيعيّة التي تزخر بها موريتانيا وخاصّة المعادن والنفط المكتشف حديثا دور متزايد الأهميّة في تغذية الأطماع وصيانة المصالح التي تحدّد سياسة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكيّة وأوجه تحرّكهما إزاء ما حدث في موريتانيا. والجدير بالإشارة أنّ واشنطن لم تكن تنظر بعين الرضا إلى ما يحدث في موريتانيا، فقد وعد رئيسها باستفتاء الشعب في مسألة إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل، وكذلك إصراره على نفي وجود إرهابيّين في موريتانيا مقابل تركيز قائد الانقلاب الأخير على معالجة هذا الملف وخاصّة بعد اغتيال سياح فرنسيين في الأراضي الموريتانية قبل أشهر. وهو ما يُعزّز من فرضية تنسيق الحاكم الجديد مع جهاز المخابرات الفرنسية منذ فترة أو على الأقل اطلاعها على مخطّطاته سعيا إلى كسب رضائها عندما حين تكون الفرصة سانحة سياسيّا وعسكريّا.
إنّ الأحداث المقبلة قد لا تكشف لنا بسرعة ما إذا كانت هاتان الدولتان أو إحداهما قد ضلعت في الانقلاب الأخير. وسنرى حتما خلال الفترة القريبة المقبلة كيف ستتصرّف فرنسا إزاء المنعطف الخطير في موريتانيا لاسيّما أنّ وزير خارجيّتها برنار كوشنار هو من نظّر لمبدإ "حق التدخل بالقوّة لإعادة فرض الديمقراطيّة" (Droit d'ingérence pour imposer de la démocratie) وكذلك الولايات المتحدة الأمريكيّة التي طبّقت هذا "المبدإ" في هايتي ثم العراق وسعت إلى إقناع العالم بذلك دون جدوى.
(مصدر الصور: وكالة الأنباء الفرنسية أ. ف. ب)
ملاحظة : سنخصّص مقالا آخر ذا صلة بهذا الموضوع للحديث عن "الديمقراطيّة في جمهوريّات الموز"

2008-08-06

تحت العراء في تونس العاصمة

صورة أبلغ من التعليق
هل هذه تونس، لا تونس ليست كذلك وتحديدا لا نريدها هكذا، إنّما يوجد مثل هذا البؤس وأكثر في تونس على غرار سائر دول العالم بما في ذلك الثريّة والصناعيّة منها، غير أنّ ذلك ليس مبرّرا إطلاقا للوقوف على الربوة أو إدارة الظهر عن هؤلاء وكأنّ شيئا لم يكن... فكيف لبلادنا إذن أن تنقذ هؤلاء من الفاقة والعوز والتشرّد وتحدّ من معاناتهم الدائمة..!!
لكم الكلمة لتأويل ما في هذا المشهد...

(المصدر: هذه الصورة التقطتها عدسة الزميلة ألفة جامي، وقد أرسلتها لنا مشكورة. وللإشارة فإنّ ألفة جامي بعد تجربة في مجلة "حقائق" وصحيفة "الخبير" اليوميّة تحوّلت منذ فترة إلى الكويت حيث تعمل بإحدى الصحف اليوميّة الجديدة.)

السودان ومحنة النخب العربيّة

"الجزائر مع السودان ظالمة أو مظلومة" !!! هذا العنوان لست أنا من صاغه، فهو الشعار الذي اختارته "اللجنة الوطنيّة الجزائريّة للتضامن مع الشعب السوداني" على خلفيّة طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدوليّة بإصدار مذكّرة توقيف دوليّة في حق الرئيس السوداني الفريق عمر حسن البشير بتهمة ارتكاب إبادة جماعيّة وجرائم حرب بدارفور. وقد أعلن "فوزي أوصديق" الذي عُيّن سفيرا للمجتمع المدني الجزائري أنه سيحمل رسالة اللجنة التضامنيّة إلى الرئيس السوداني. والجدير بالإشارة أنّ فوزي أوصديق هذا متضلّع في مثل هذه الأنشطة "اللِجانوية"، فقد سبق له أن ترأس "اللجنة الدولية للدفاع عن سامي الحاج" مصوّر الجزيرة المفرج عنه من معتقل غوانتانامو الأمريكي منذ بضعة أشهر.
هذا يطرح بشدّة مسألة هذه اللجان الوطنية والعربية والدولية الكثيرة التي دأبت على البروز بين الفترة والأخرى أي كلّما جدّت مصيبة جديدة في البلاد العربية، لتنطفئ شعلتها بأسرع من البرق.وكما هو واضح لا تحمل هذه اللجنة من التضامن مع الشعب السوداني سوى الاسم، فالمعنيّ الحقيقيّ بهذا "التضامن" هو الفريق عمر البشير، بدعوى أنّه يرمز إلى سيادة السودان على أرضه وشعبه. والحقيقة أنّني لا أرى هنا أيّ رمز، فالسودان بلد مُقطّعة أوصاله شمالا وجنوبا وغربا، وشعبه العريق يرزح تحت ويلات الحروب الأهليّة والمجاعات والفيضانات وسائر الكوارث الطبيعيّة والبشريّة.
ولا يعني كلامي هذا، بلا ريب، مناصرتي لطلب المدّعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية لأنّني لا أشكّ لحظة في انّه جاء -بشكل أو آخر- تنفيذا لتعليمات الولايات المتحدة الأمريكيّة التي تشترط في الوقت نفسه عدم المساس بعسكرييها مهما كانت جسامة الانتهاكات اللاإنسانيّة التي يرتكبونها... فالإشكال يكمن في هذه العقلية الإنفصامية التي يتسم بها السواد الأعظم من "النخب" العربيّة عند معالجة قضايا شعوبها وما إليها من متطلّباتها التنموية والديمقراطية. أعود إلى الشعار الذي رفعه ممثلو المجتمع المدني الجزائري القائل بأنّ "الجزائر مع السودان ظالمة أو مظلومة"، يتضح أنّ هذا الشعار مستمدّ من الحديث النبوي القائل: "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما". فحتى من داخل المنظومة الفقهية تتراءى المغالطة المتلبسة بهذا الشعار، لأنه جاء منقوصا مبنى ومعنى ممّا يتمّمه، وهذه بقيّة الحديث "فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أرأيت إن كان ظالما فكيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره" (رواه البخاري في صحيحه).
المعنى إذن قد لا يحتاج إلى مزيد من التوضيح والاجترار، ولكن قد أعود إلى الملف السوداني في مناسبة قادمة. يبقى أن أشير إلى حدث مأساوي تتصارع معه هذه الأيّام فئات كثيرة من الشعب السوداني، ولكنّ أجندة هذه اللجان وما شابهها من وسائل الإعلام لم تعره أيّ اهتمام وهي:
- كارثة 1: أدّى إنشاء سدّ مثير للجدل وما رافقه من سيول وفيضانات في مناطق واسعة شمال العاصمة الخرطوم إلى تشريد عشرات الآلاف من السكان ويُخشى -حسب تصريحات رمية- أن يتسبّب ارتفاع منسوب نهر النيل خلال الفترة المقبلة في غرق نحو ألف (1000) أسرة سودانية.
- كارثة 2: تسبّبت السيول والفيضانات في مدينة أويل جنوب السودان (ولاية شمال بحر الغزال) في تدمير آلاف المنازل وتشريد 160 ألف أسرة ونفوق 10 آلاف من المواشي، إلى درجة أن الوالي أعلن أن "الوضع خرج عن السيطرة"، رافعا بذلك الراية البيضاء...
يحدث كلّ هذا الألم والموت دون أن يحظى الشعب السوداني بحملة أو حتى لمحة لا من قبل تلك اللجان ولا من أنظمتها وكلاهما منتفخ، من الماء إلى الماء، بمواويل التضامن العربي المشروخ...

2008-08-05

كاريكاتير اليوم: طلاسم الإعلام

طـلاســم الإعــلام (أو اللغة الخشبيّة)
الإفهام في فكّ طلاسم الإعلام، كما يسمّيها رسام الكاريكاتير عماد حجّاج، أضحت منتشرة في معظم وسائل الإعلام العربية !! مضامين هذا الرسم الكاريكاتوري تختزل قاموسا اصطلاحيّا يضمّ التواءات الخطاب الإعلامي المتخشب في مختلف البلاد العربية...

(المصدر: صحيفة "الغد" الأردنية، والرسم الكاريكاتوري هو -بطبيعة الحال- بريشة الصحفي الفلسطيني الأصل الفنان عماد حجاج)

السلطات الإيرانية تشنق صحفيّا... الشيء من مأتاه لا يُستغرب..!

إعدام صحفي إيراني بتهمة الانتماء لجماعة "مسلحة"
أعدمت السلطات الإيرانية صحفياً بتهمة الانتماء لجماعة سنية ألقي باللوم عليها في مجموعة من الهجمات جنوب شرقي البلاد. وقال علي جامشيدي المتحدث باسم السلطة القضائية إن يعقوب ماهرنهاد ورجلاً آخر قد شنقا الاثنين في زاهدان عاصمة محافظة سيستان بلوشستان.
وأدين ماهرنهاد في فبراير الماضي بالانتماء إلى جماعة "جند الله" وبارتكاب "جرائم ضد الأمن القومي". واعتقل ماهرنهاد العام الماضي في مدينة زاهدان بينما كان يعد تقريراً لصحيفة في طهران.
وتقول تقارير إن الصحفي ماهرنهاد أشرف على جمعية خيرية يبدو أنها كانت تعمل على تحسين تعليم الأطفال. وظلت محافظة سيستان بلوشستان المحاذية لباكستان وافغانستان تعاني لوقت طويل من التهريب وتجارة المخدرات والاختطاف، وغالبية سكانها من البلوش وهم مسلمون سنة. وتقول جماعة "جند الله" التي تعرف أيضاً باسم "حركة المقاومة الشعبية" في إيران، إنها تقاتل ضد الاضطهاد الديني والسياسي ضد الأقلية السنية في البلاد، بينما تقول الحكومة إنها حركة إرهابية.
(المصدر: 5 أوت 2008 - موقع bbc.arabic)
نقطة الفصل:
هل يُمكن أن نُناصر نظاما شموليّا يعدم الصحافيين لمبرّرات طائفيّة (وهل توجد مبرّرات أصلا للإعدام) ويعتقل المثقفين لأعمال إبداعيّة ويُقتـّل النساء رجما بالحجارة، ثمّ يدّعي خلاف ذلك ؟؟؟

2008-08-04

كاريكاتير اليوم La marche vers l'info

La marche vers l'info

هذه هي مهنة "المتاعب" الجميلة هنا وهناك، في كلّ مكان، ستكون -وما يُجاورها- محورا مركزيّا لاهتمامات هذه المدّونة، ونافذة للنقاش والرأي الحرّ... فلنحاول قدر الإمكان المشاركة في تشكيل فضاء عام، ما دُمنا نعيش بفسحة الأمل...

(المصدر: اعتقد أنني نقلت هذا الرسم الكاريكاتوري منذ فترة عن موقع اليونسكو)

جريدة "الصباح": ما وراء غياب عدد من الوزراء عن اللجنة المركزيّة..!

الفصل بين الحزب والدولة والحكومة المقبلة...
ذكرت أنّني سأحاول التعليق على قراءة الزميل سفيان رجب في مقاله الصادر يوم أمس 3 أوت الجاري في جريدة "الصباح" (والذي أعدنا نشره في هذه المدوّنة) حول الخلفيات المحتملة لغياب عدد من الوزراء عن اللجنة المركزيّة للحزب الحاكم في ختام مؤتمره الأخير. والدافع إلى ذلك هو أنّ مستجدّات التجمّع -بوصفه حزب الأغلبيّة وباعتباره حزبا حاكما- تعدّ شأنا عامّا يحق لكلّ التونسيين الخوض فيها سواء كانوا تجمّعيين أو غير تجمّعيين.
وبعيدا عن المواقف المسبقة، يبدو واضحا أنّ الأرقام التي أفرزها المؤتمر -كما أشار إليها المقال المذكور- حول ارتفاع نسبة التجديد والحضور النسائي والشبابي والمستوى التعليمي لتركيبة اللجنة المركزيّة تعكس مدى التغييرات المتفاعلة في بنية الحزب الحاكم. فرياح التغيير بدأ يعلو فحيحها بين أوصال التجمّع الحاكم...
أمّا مسألة غياب عدد من الوزراء الحاليين عن اللجنة المركزيّة -وعددهم 11 وزيرا بالإضافة إلى كاتب عام الحكومة- واعتبار ذلك دليلا على الفصل بين الحزب والدولة، فذاك أمر ينبغي تعميق النظر فيه. فعدم نجاح كلّ هؤلاء الوزراء في تجاوز عقبة هذه الانتخابات (هذا إن ترشحوا فعلا) يعكس درجة الشفافيّة والديمقراطيّة داخل هياكل الحزب الحاكم في انتخاب أعضاء إحدى أهمّ حلقاته التنظيميّة، لاسيّما أنّ هؤلاء "المسؤولين" لو ترشحوا ما كانوا ليُدْرَجوا إلاّ في القائمة الوطنيّة التي عادة ما يختار رئيس الدولة بوصفه رئيس التجمّع أعضاءها.
وبالمناسبة، فقد وصف لي صديق تجمّعي -ذو منصب هامّ واكب فعاليّات مؤتمر التحدّي- تجذر الممارسة الديمقراطيّة في هياكل التجمّع قائلا: "لو يتمّ تكريس الديمقراطيّة التي يُمارسها التجمّع في أجهزة الدولة لاكتسبت تونس تجربة ديمقراطيّة تضاهي ما هي عليه في أعتى الديمقراطيات في العالم". هذا موقف فيه من الصحّة جانب معلوم وخاصّة فيما يتعلق سواء بالأجواء الانتخابيّة الساخنة التي دارت رحاها في قصر المؤتمرات بالكرم وما جاوره أو الجدل والنقاشات المحتدمة في الهياكل المختلفة للتجمع منذ مرحلة إعداد لوائح المؤتمر ثمّ زمن انتخابات أعضاء اللجنة المركزيّة في الجهات وغيرها من المراحل الحاسمة اللاحقة. وكلّ هذا يعكس إذن ما ساد المؤتمر من ممارسة انتخابيّة بدت مصداقيّتها ماثلة أمام الملاحظين... وفي المقابل بدا في القياس الذي أجراه صديقي التجمّعي بين الحزب الحاكم والدولة جانب من المبالغة، ذلك أنّ المتحكّمين في دواليب التجمّع هم أنفسهم ذوو المسؤوليات العليا في الدولة، ممّا يجعل الفصل بينهما على المستوى العملي أمرا صعبا بفعل التراكم والواقع. هنا إذن آتي إلى الحكم الذي أطلقه الزميل سفيان رجب في مقاله المذكور دون أن يتعمّق في تقديم المبرّرات اللازمة. هنا يُمكن أن نصيغ السؤال بشكل مغاير : من ينبغي أن يقتدي بالآخر، الحزب الحاكم بالدولة أم الدولة بالحزب الحاكم؟
أمّا عن القول بأنّ غياب هؤلاء الوزراء يمكن أن يُؤدّي إلى عديد القراءات الأخرى ذات العلاقة بالحكومة القادمة، فهو تصوّر يجعلنا نطرح تساؤلا عفويا عن مدى إمكانيّة عدم تجديد الثقة في 11 أو 12 وزيرا في مرحلة ما بعد مؤتمر التحدّي بسبب عدم عضويّتهم في اللجنة المركزيّة. فهل من الجائز هنا اعتماد القياس ذاته بما يُناقض القول الأول بأنّ غياب هؤلاء الوزراء عن اللجنة المركزية يُعتبر دليلا على الفصل بين الحزب والدولة؟ ... نقطة استفهام عرضيّة أخرى أطرحها في خاتمة هذا التعليق السريع على قراءة غير متأنّية : هل أنّ هذه الديمقراطيّة الداخليّة التي لم يصمُد أمامها عدد من الوزراء يمكن أن يُكرّس مثلها داخل هياكل سائر الأحزاب التونسية؟

2008-08-03

في جريدة "الشرق" القطريّة.. الحكم بسجن سعد الدين إبراهيم

تشويه سمعة مصر أو إسكات الأصوات المخالفة..
القاهرة ـ خيري حسين ـ وكالات : قضت محكمة مصرية أمس بحبس عالم الاجتماع السياسي سعد الدين إبراهيم سنتين مع الشغل وكفالة قدرها 10 آلاف جنيه لإيقاف التنفيذ (ما يزيد عن ألفي دينار تونسي)، مع إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المدنية المختصة في تشويه سمعة مصر المقامة ضده من جانب أحد المحامين. وأكدت المحكمة فى حيثيات الحكم أنه تيقن لها من خلال الأوراق أن إبراهيم الذي يرأس "مركز ابن خلدون" وهو مركز بحثي غير حكومي: "تعمد بسوء نية الإساءة إلى سمعة مصر"، وذلك استنادا إلى تقرير ورد للمحكمة من وزارة الخارجية وجاء فيه أن إبراهيم دعا واشنطن إلى ربط المعونة الأمريكية بالأوضاع السياسية فى البلاد.
وكان أحد المحامين قد أقام دعوى يتهم فيها إبراهيم بتشويه سمعة مصر خلال مشاركته في تنظيم "ملتقى الدوحة الثاني للإصلاح والديمقراطية" في العالم العربي، وكان إبراهيم قد قرّر عدم العودة إلى مصر لتفادي اعتقاله مجددا، بعد أن أثارت تصريحاته عقب لقاء الرئيس الأمريكي جورج بوش غضب النظام المصري وقيام عدد من الأشخاص بإقامة دعاوى قضائية ضده.
وقالت زوجته بربارة إبراهيم: "لم يكن بمؤتمر الدوحة ما يشوّه سمعة مصر، إلا إذا كان الحديث عن الديمقراطية هو ما يشوّه سمعة مصر.. أشعر أن هذه هي رسالة من الحكومة المصرية بأنها تريد بقاء سعد منفيا خارج البلاد". وأشارت إلى أن المؤتمر حضره الكثير من الشخصيات المصرية المعروفة وتناولوا رؤية حول مستقبل الديمقراطية في العالم العربي. وأكدت بربارة إبراهيم أن زوجها يريد العودة إلى مصر ويشعر بالحنين إلى بلده لكنه لا يستطيع العودة لأنه لا يقوى على تنفيذ حكم بالسجن في هذه السن، مشيرة إلى أنه سيُدرّس في جامعة هارفارد الأمريكية بداية من العام القادم كأستاذ زائر.
(المصدر: جريدة "الشرق" القطريّة اليوم 3 أوت/أغسطس 2008، والصورة منقولة عن الموقع الإلكتروني لشبكة الإعلام العربية "محيط")
الـتـعـلـيــــــــــــق:
بصراحة، لا يُمكنني أن أقول سوى العبارة التي دائما ما نُردّدها في تونس (بما في ذلك اللائكيون منّا) : ربّي يهدي، يهدي إلى طريق الحريّة.. من يُمعن في تكميم الأفواه وحبس الأنفاس، ويهدي إلى سبيل الوطنيّة.. من يُعوّل على الأجنبي ويُطالبه بتعميق المعاناة اليومية للمواطن المسكين جدّااا... على كلّ "الله غالب" !!!

جريدة الصباح تتساءل وتجيب.. ولا تجيب..

ماذا وراء غياب عدد من الوزراء عن قائمة اللجنة المركزية؟
الكرم ـ الصباح: المتأمل في قائمة أعضاء اللجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي المتضمنة لـ 350 إسما (بعد أن أعلن سابقا أن عدد أعضاء اللجنة المركزية سيكون343 ) يلاحظ غياب بعض الأسماء المتواجدة حاليا في الحكومة وهي:
ـ عبد الحكيم بوراوي كاتب عام الحكومة
ـ الحاج قلاعي وزير تكنولوجيات الاتصال
ـ رضا التويتي وزير التجارة
ـ محمد النوري الجويني وزير التنمية والتعاون الدولي
ـ محمد رشيد كشيش وزير المالية
ـ سميرة خياش بلحاج وزيرة التجهيز والاسكان والتهيئة الترابية
ـ الصادق القربي وزير التربية والتكوين
ـ نذير حمادة وزير البيئة
ـ محمد العزيز بن عاشور وزير الثقافة والمحافظة على التراث
ـ عفيف شلبي وزير الصناعة والطاقة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة
ـ خليل العجيمي وزير السياحة
ـ سارة كانون الجرّاية وزيرة المرأة والاسرة والطفولة والمسنين
ويعتبر غياب بعض أعضاء الحكومة دليلا على الفصل بين الحزب والدولة. كما يمكن أن يؤدي إلى عديد القراءات الأخرى ذات العلاقة بالحكومة القادمة.
وجدير بالذكر أن نسبة التجديد في قائمة أعضاء اللجنة المركزية بلغت الـ4 ،77 بالمائة وسجلت دخول عدد هام من الشباب والمرأة حيث بلغت نسبة النساء في اللجنة المركزية الجديدة 37.9 بالمائة ونسبة الشباب أقل من 40 سنة 25.9 بالمائة. وسجلت اللجنة المركزية الحالية غياب ذوي مستوى التعليم الابتدائي في حين كانت نسبة ذوي التعليم الثانوي 15.6 بالمائة ونسبة ذوي التعليم العالي 84.4 بالمائة.
سفيان رجب
(المصدر: الموقع الإلكتروني لجريدة الصباح يوم 3 أوت 2008)
قد نقوم في وقت لاحق بقراءة لهذه القراءة أي قد نُجري عبر هذه المدوّنة حوارا غير مباشر مع الصديق العزيز سفيان رجب بشأن هذه القراءة.

اليوم الذكرى 105 لميلاد الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة

المنستير.. مدينة تحيـى بزعيمها
قرية ساحليّة ذات تاريخ عريق، تحوّلت بفضل ابنها الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسيّة السابق إلى ولاية مرفهة تضمّ إلى باحتها قرى ومدنا مجاورة بوّأتها مكانة "المركز والأطراف"... أضحت بما حباها به "زعيم الأمّة" من مجمّعات سكنيّة وتجاريّة راقية وحدائق غنّاء وطرقات واسعة وفنادق مرفهة قطبا عمرانيّا وسياحيّا من الطراز العالي... المنستير تعيش حاضرها وفي البال ذاكرة تأبى النسيان...
مدينة يُجمع أهلها بل والتونسيون معظمهم على أنها تدين إلى ابنها بورقيبة بما بلغته المنستير من ازدهار ورقيّ كبيرين بالمقارنة مع مدن تونسيّة أخرى كانت لها الأسبقيّة الحضريّة زمن الاستعمار. فأهمّ ما تُعرف به المنستير لدى التونسيين قبل قلعتها الحصينة وأسوارها السامقة العتيقة هو أنّها أنجبت شخصا فذا أصبح يُدعى بالمجاهد الأكبر تدليلا على ما يتمتع به بورقيبة من كاريزما واعترافا بجهوده في تحرير البلاد من نير الاحتلال الفرنسي وتحقيق إصلاحات غير مسبوقة لا في تونس وحسب وإنّما عبر التاريخ الحديث للبلاد العربية برمّتها.
ذاكرة المكـان..
في المنستير ربّما على خلاف غيرها من المدن التونسيّة ترتسم بصمات بورقيبة وذكراه في كلّ مكان، ولا سبيل حتى بالنسبة إلى الجيل الجديد من أبناء المدينة أن ينساه. فالمطار يحمل اسم الحبيب بورقيبة ومحطة القطارات كذلك والشوارع هنا وهناك تحمل اسمه واسمي والدته ووالده وما إلى ذلك، وفي موقع مركزيّ من المنستير ينتصب تمثال في اصفرار الذهب اللامع لبورقيبة طفلا يرتدي لباسا تقليديا ويحمل في إبطه كتابا بما يرمز للعقلانيّة التي عانقها بورقيبة دون مساس بجذوره الأصيلة.. ولكنّ الأثر الأهمّ في هذه المدينة الخلاّبة هو "روضة آل بورقيبة" حيث يرقد جثمانه وأفراد عائلته، مقبرة عائلية استأثرت بالجزء الأكبر من مقبرة المدينة.. هي أكثر من ذلك، يتوسّطها مسجد فسيح في غاية الروعة العمرانية بصومعتيه الباسقتين وقبابه الذهبيّة المتلألئة وبلاطه الرخامي الناعم وروضه المفعم من هنا وهناك بطيب الشهداء الذين روت دماؤهم تربة المكان.. إنّها جزء لا يتجزّأ من مدينة المنستير، جزء أوسع من الكلّ يتخذ له مكانا رحبا في قلب المدينة النابض.. أصبح قبلة للزوار من التونسيين والسياح الأجانب.. بورقيبة بنى المنستير الحديثة في حياته وأتاح لها سبل الحياة بعد وفاته ..
هكذا استطلع بورقيبة بدهائه وفطنته الحادين أن يخلـّّد ذكراه بعد الممات.. في مدخل ضريحه نُحت بأحرف ذهبية: الحبيب بورقيبة أوّل رئيس للجمهوريّة التونسية ومحرّر المرأة، إنها جملة تُغني عن أيّ تعليق، ومعان لا سبيل دونها لقراءة تاريخ المنستير وتونس الحديث...
(هذا المقال سبق أن نُشر في جريدة الصباح يوم 7 أفريل 2008، ولكن بغير عنوانه الأصلي هذا، أمّا الصور فهي تُنشر لأوّل مرّة.)

دعوة بورقيبة إلى قبول قرار تقسيم فلسطين

كيف تعاملت معها الأنظمة العربية؟ وكيف يراها الشباب التونسي اليوم؟
أضحى موقف الزعيم الحبيب بورقيبة من القضية الفلسطينيّة معروفا اليوم من قبل كلّ العارفين بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وهو موقف يتجانس مع منهجه السياسي القاضي بضرورة اتباع سياسة المراحل وذلك منذ قيادته لحركة تحرير البلاد التونسيّة من الاحتلال الفرنسي.
ويدعو موقف بورقيبة بشأن القضية الفلسطينيّة إلى قبول الفلسطينيين والعرب بقرار التقسيم رقم 181 وإنشاء دولة فلسطينيّة على جزء من أرض فلسطين على أساس قرار الأمم المتحدة المذكور. وهو الموقف الذي أعلنه الرئيس بورقيبة في خطابه المشهور في مدينة أريحا في 3 مارس 1965 أي بعد شهرين من إنشاء منظمة التحرير الفلسطينيّة وقبل 15 شهرا من قيام اسرائيل باحتلال كامل فلسطين والجولان وشبه جزيرة سيناء. ومع ذلك فإنّ هذا الموقف الذي أصبحنا نعتبره اليوم عقلانيّا وربّما سابقا لأوانه جوبه بالرفض والتنديد من قبل معظم القيادات العربية آنذاك وباتهام بورقيبة بالعمالة للكيان الصهيوني. وقد حرّكت بعض الأنظمة العربيّة شعوبها للقيام بمظاهرات عارمة في كلّ من بغداد وبيروت والقاهرة التي حرق فيها منزل السفير التونسي بالكامل تحت أنظار الأمن والمخابرات المصريّة، حيث "لم تتدخل سيارات الإطفاء -وكانت موجودة هناك قبل اقتحام الجماهير الغاضبة لإقامة السفير التونسي- إلاّ بعد أن انهارت الأسقف وصار المنزل حطاما" حسب شهادة الدبلوماسي التونسي الحبيب نويرة.
ولئن كان الشباب التونسي اليوم لا يعرف الكثير عن تفاصيل موقف بورقيبة من القضية الفلسطينيّة وما انجرّ عنه من أحداث فإنّه على علم بخطوطه العريضة التي استقاها في الغالب ممّا تنثره أحيانا بعض وسائل الإعلام بشأن تلك المواقف والأحداث. وفي المحصّلة فإنّ آراء الشباب التونسي في هذا الصدد تكاد تكون واحدة وتُعبّر عن التعاطف مع الزعيم الذي كان سابق لأوانه والجماهير العربية التي قابلته بالإجحاف والخذلان.
في هذا المضمار، يقول الطالب فراس زيود "ناصر الزعيم الحبيب بورقيبة قضية الشعب الفلسطيني بكلّ طاقته وكان متقدّما على عصره وأكثر واقعيّة وحكمة من معظم القادة العرب الذين اعتبروه آنذاك خائنا وعميلا للغرب". الطالب حسّان تمر رأى الموقف ذاته، قائلا "أراد بورقيبة أن يسهم في حلّ القضية الفلسطينية لكنّ العرب خذلوه". وفي الاتجاه ذاته، ينبني موقف الطالب حمودة بن محمود، إذ يقول إنّ "بورقيبة انتهج العقلانيّة والواقعيّة السياسية في الاقتراح الذي قدّمه لحلّ القضية الفلسطينية فما كان من الجماهير في بعض البلاد العربية إلاّ أن ألقت عليه بالطماطم أثناء جولته في المنطقة آنذاك"..
وفي هذا السياق أيضا يندرج رأي الطالب محمد شكيب الذي اعتبر أنّ بورقيبة "كان سابقا لأوانه في استشراف المستقبل حين دعا العرب إلى القبول بتقسيم فلسطين من أجل تأسيس دولة فلسطينية مستقلة، يعجز العرب اليوم عن تحقيق ولو جزء يسير منها".
وبدورها سارت هادية بن محمود في نفس المسار الذي ذهب إليه غيرها من الشباب التونسي حيث قالت "إنّ بورقيبة هو أوّل من اقترح حلا منطقيّا للقضية الفلسطينية، إذ كان يريد إقامة جسر بين الفلسطينيين واليهود، ولكن لا أحد أخذ برأيه والنتيجة هي استمرار المعاناة والمجازر التي تقترفها إسرائيل بحق إخواننا الفلسطينيين". وعلّلت هادية رأيها بالقول "لقد فهم بورقيبة طبيعة القوى الموجودة في العالم ولذلك زار أمريكا في بداية عهده واعتمد سياسة واقعيّة تنأى عن المغامرات غير المحسوبة".
معـز زيّـود
(هذا المقال سبق أن نُشر في جريدة الصباح في يوم 7 أفريل 2008)

2008-08-01

بورقيبة والشباب

ماذا تبقّى من بورقيبة في ذاكرة الشباب التونسي؟
...............................................................
كلّما حلّت ذكرى وفاة الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة إلاّ وأفاضت بعض النخب عبر وسائل الإعلام المختلفة في تحليل شخصية الزعيم الراحل ورمت بدلوها في تقييم تجربته السياسيّة بما فيها من إنجازات وإخفاقات. وبغضّ النظر عن تضارب الآراء أحيانا بشأن تشخيص مسيرة الرئيس السابق فإن استعادة ذكراه كانت دائما حكرا على آراء النخب الفكرية والسياسية عموما والشخصيّات التي عايشت فترة حكمه خصوصا. ومن ثمّة، فقد أهملت جانبا هامّا من المجتمع التونسي اليوم، إنّها فئة الشباب التونسي الذي لم يعايش تلك الفترة، فبدت المعلومات والانطباعات التي يحملها هؤلاء الشباب عن مؤسّس الدولة الوطنية وأوّل رئيس للجمهوريّة محدودة جدّا. "الصباح" اقتربت من هذه الفئة الشبابيّة سواء في تونس العاصمة أو في مسقط رأسه بمدينة المنستير وبعض المدن التونسية الأخرى، وبادرت بالسؤال عن الانطباعات التي رسخت في أذهان الشباب التونسي عن الرئيس بورقيبة. ماذا يعرفون عن مسيرته النضالية والسياسية من أجل استقلال البلاد ثمّ بناء الدولة وتحديد توجّهاتها الكبرى، وهل لهم علم بإنجازاته ذات البعد الاجتماعي خاصّة وكذلك طبيعة حكمه وعلاقاته بالغرب والبلاد العربية، وإجمالا ما لبورقيبة وما عليه في ذهنيّة الشباب التونسي... وفي كلمة سعينا إلى رصد ما تراكم في ذاكرة الجيل الجديد من التونسيّين عن الرئيس الحبيب بورقيبة نبسطها لقرائنا في الذكرى الثامنة لرحيله.
ريبورتاج: معـز زيّـود
مهما اختلفنا في تقييم التجربة السياسيّة لبورقيبة وحدودها، فإنّ ذلك لا يمسّ في شيء أنّه أصبح رمزا في تونس بل وفي المنطقة للعديد من المواقف والإصلاحات الليبراليّة التي أقدم عليها. ورغم ما عُرف عنه من انفراد بالحكم، فإنّه قد التزم تنظيرا وفعلا بالواقعيّة السياسيّة فهو القائل : "إنّ رجل السياسة الواقعي هو من يُفضّل إصلاحا بسيطا يُؤدي إلى إصلاحات أخرى على الإتيان بمعجزة عصيّة عن التحقيق". ومن أبرز إنجازات بورقيبة نجاحه في القضاء على البنى والرواسب القبلية للمجتمع وخاصّة سنّ قانون الأحوال الشخصيّة إبّان استقلال البلاد التونسيّة عام 1956 بما مكّن من تحقيق حدّ كبير من المساواة بين الرجل والمرأة على الصعيدين السياسي والمدني ومن بينها منع تعدّد الزوجات، بالإضافة إلى إصلاحاته الجذرية في مجالي التعليم والصحّة ومواقفه غير المألوفة من القضايا العربية والقضيّة الفلسطينيّة تحديدا وما إلى ذلك... هذه عموما عناوين بارزة للفلك الذي تدور فيه المسيرة السياسيّة الطويلة للحبيب بورقيبة، وقد أردنا أن تكون مقياسا لرصد مدى معرفة الشباب التونسي بشخصيّة أوّل رئيس للجمهوريّة التونسيّة ومسيرته السياسية الطويلة...
محرّر المرأة
على الرغم من أنّ العديد من الشباب التونسي ممّن استطلعنا آراءهم سواء من الذكور والإناث قد جزموا بأنّ أغلبهم يكاد لا يعرف شيئا عن بورقيبة، فإنّ المعطى الذي يكاد يكون دائم الحضور إذا ذكرت شخصيّة الرئيس التونسي السابق هو قراراته التاريخيّة بإنصاف المرأة التونسيّة وإعطائها نفس الحقوق أسوة بالرجل. هادية بن محمود فتاة تونسية لها من العمر 20 عاما وتعمل بأحد المصانع بمدينة منزل بورقيبة شمال العاصمة، التقيناها في مدينة المنستير تتجوّل بجوار قبر بورقيبة، متفحّصة بعض أثوابه وأدواته الشخصيّة التي أضحت قبلة للزوار وبقيت شاهدا على حقبة من تاريخ تونس الحديث.. هادية اعتبرت أنّ "أول شيء لا يمكن أن ينساه أيّ تونسي هو حرص بورقيبة على إعطاء حقوق المرأة، وذلك في أول سنة لاستقلال البلاد قبل ما يزيد عن نصف قرن". هذا ما أكّده أيضا سهيل رويس طالب له 21 سنة من العمر ويدرس اختصاص البيولوجيا، قال: إنّ "كلّ ما أذكره هو أنّه كان سابقا لعصره في مسألة إعطاء المرأة التونسية حقوقها في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية". ومن ناحيتها اعترفت منية ضيف الله طالبة لها من العمر 20 عاما وتقطن بضاحية المنزه الراقية أنّ "كلّ ما أعرفه عن بورقيبة أنّه هو محرّر تونس ومحرّر المرأة".. في الاتجاه نفسه جاءت إجابة نورة وهي طالبة لا يتجاوز عمرها 19 سنة قالت "لا أعرف عن بورقيبة سوى تحريره للمرأة. وقد روت لي والدتي أنّ بورقيبة ألقى خطابا تحدّث فيه عن قضيّة اغتصاب لامرأة ولقي الجاني حكما مخففا، فغيّر بورقيبة بعد ذلك القانون ليحكم على مرتكبي تلك الجرائم الفظيعة أقصى حكم ممكن".
وهنا تتواتر المقارنات لواقع المرأة في تونس مع نظيراتها من الدول العربية والأجنبية. فالتاريخ "سجّل أنّ بورقيبة رفع من شأن المرأة وأعطاها حريّاتها الكاملة تجاوبا ما تعيشه المرأة في مجتمعات الدول المتقدمة" على حدّ تعبير محمد شكيب وهو تلميذ في الثانوي يقطن بولاية بنزرت. حمودة بن محمود طالب عمره 20 عاما قال "اعتقد أنّ بورقيبة معروف على الصعيدين العربي والدولي بأنّه شخص ليبرالي وعلماني وهو أوّل من منح للمرأة حقوقا لا تتمتع بها حتى الآن في معظم الدول العربية مثل الحق في الطلاق ومنع تعدّد الزوجات".. كما أنّ "ما يتمّ الحديث عنه اليوم من إصلاحات في هذا المجال هو في الحقيقة ثمار سياسة بورقيبة فهو من منع تعدّد الزوجات وحقق المساواة بين الرجل والمرأة. كما أنّه -حسب قول محمد الصدّي وهو طالب جامعي أصيل مدينة سوسة وله 25 عاما - هو الذي أقرّ برامج تحديد النسل ولولا ذلك لكان عدد الشعب التونسي ضعف ما هو عليه اليوم أو أكثر".. ومع ذلك فإنّ عددا من الشباب التونسي يعتبر أنّ بورقيبة قد مكّن المرأة التونسيّة من حقوق أكثر من اللزوم، في هذا السياق يعتقد سهيل رويس أنّ "أغلب التونسيين يعتبرون أنه مخطئ في مسألة إعطاء المرأة كلّ تلك الحقوق". وهو رأي يوافقه فراس زيّود وهو طالب مختص في الشبكات المعلوماتيّة، يقول "طالت إصلاحات بورقيبة بنية المجتمع التونسي وأعطى للمرأة في تونس حقوقا لا تتمتّع بها في أيّ بلد عربي آخر إلى درجة أنّ المرأة أصبحت تتحكّم في المجتمع التونسي أكثر من الرجل"!!. حسّان تمر وهو طالب له رأي مخالف، فالزعيم التونسي السابق على حدّ قوله "أنصف المرأة وأعطاها الموقع الذي تستحقه في المجتمع، فقد تمكّن من تغيير العقليّة التقليديّة للتونسيين التي كانت تفرض على المرأة البقاء في البيت".
ليبرالي وعلماني..
من المعلوم أنّ الرئيس التونسي السابق قد تلقّى تعليمه الجامعي خلال أواخر الربع الأوّل من القرن الماضي في فرنسا، حيث عاد إلى تونس حاصلا على شهادة الكفاءة في المحاماة ومارس هذه المهنة فعلا لفترة وجيزة قبل التفرّغ للنضال السياسي ضدّ الاحتلال الفرنسي، ولكنّ ذلك يحمل في طيّاته انبهارا بالحضارة الغربية التي عمل على تطبيق قيمها في تونس بعد اعتلائه سدّة الحكم. فهو دون شك شخص ذو نزعة ليبراليّة حكم مجتمعا إسلاميّا محافظا فأراد تغيير العقليات وقلب الموازين سعيا منه إلى محاكاة النموذج الغربي في العديد من نواحيه. ومن هذا المنظار يمكن الربط بين مواقفه من الدين وتحرير المرأة، وهو ما حاولنا رصده في حديث الشباب التونسي من الجنسين وممّا يعرفونه عن التوجّهات البورقيبية في هذا المضمار. الطالبة نورة قالت إنّ "بورقيبة تجاوز التقاليد الموروثة في المجتمع التونسي فبادر بمنع ارتداء الحجاب ومكّن المرأة من حقها في العمل على قدم المساواة مع الرجل دون اعتبار لبعض الموانع الدينيّة". إنّها بذلك تشير إلى المرسوم الرئاسي رقم 108 والقاضي بمنع ارتداء الحجاب على التونسيات والذي مازال إلى اليوم ساري المفعول، وقد أقرّه بورقيبة في إطار سعيه إلى مكافحة ظاهرة تنامي تيار الإسلام السياسي في البلاد أوائل الثمانينات من القرن الماضي.
فاطمة الحجري طالبة تحدّثت بدورها عن هذا الموضوع من قبيل المعرفة بالشيء لا بخلفياته السياسية، قائلة "لا أحد يجهل أنّ بورقيبة هو من منع ارتداء الحجاب وأتاح للمرأة التمتّع بحقوق كانت مرفوضة في المجتمع من قبل، وسمح لها بالعمل في كلّ المجالات". ومن جهة أخرى فإنّ "ممّا يعرف عن بورقيبة لدى الجميع -حسب تعميم الطالبة فرح العزوزي- أنه طالب التونسيين يوما بعدم الصيام لأنهم أصبحوا بفعل الجوع وشدّة حرارة الصيف غير قادرين على العمل والإنتاج". وهو رأي يوافقها فيه حمودة بن محمود قائلا إنّ الرئيس التونسي السابق "شخص ليبرالي وعلماني فقد تجرّأ على مطالبة التونسيين بعدم الصوم إذا كان ذلك سيحول دون قيامهم بواجباتهم في العمل ويؤدي إلى انهيار حجم الإنتاج خلال شهر رمضان"..
"المجاهد الأكبر"..
"في كلمة واحدة بورقيبة هو تونس" هكذا يرى محمد الصدّي، قائلا إنه هو "من مهّد لنا الطريق كي نعيش هكذا مثل كلّ الدول المتقدّمة. ولولاه لما تحقّق لتونس كلّ الإنجازات والنهضة التي تشهدها اليوم". وبالنسبة إلى الطالب فراس زيّود فإنّ "الحبيب بورقيبة هو قبل كلّ شيء زعيم ومناضل وطني، فالتونسيون يجمعون على أنّ تضحياته الكبرى هي التي حققت لتونس الاستقلال".
كذلك اعتبر محمد أمين أنّ بورقيبة "مناضل كبير، ولهذا يدعى في تونس بـ"المجاهد الأكبر" لأنه بذل كلّ ما في وسعه لتحقيق الاستقلال، وقد أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم. يُعرف بورقيبة بحزمه في تنفيذ القوانين التي جاء بها لفائدة الشعب". والحقيقة أنّ لقب المجاهد الأكبر التصق ببورقيبة طيلة فترة حكمه لتونس وكانت وسائل الإعلام التونسية دائما ما تردفه إلى اسم بورقيبة ويعود هذا اللقب إلى حقبة ما قبيل استقلال تونس بعد خروجه من السجن الفرنسي وعودته من المنفى وأصبح ذلك اليوم عيدا وطنيّا فيما بعد سُمّي بعيد النصر ثمّ ألغي بعد إزاحة بورقيبة عن الحكم عندما استفحل به المرض والشيخوخة. وربّما من النادر أن نجد اليوم بعض شباب تونس ممّن لم يعيشوا تلك الفترة على علم بهذه التفاصيل التاريخيّة على الرغم من أهمّيّتها آنذاك. وعلى حدّ قول محمد شكيب فإنّ "لبورقيبة فضلا كبيرا على جميع التونسيين، فهو من أخرج تونس من وضعها البائس زمن الاستعمار وحقّق لها الكثير من الإنجازات وأعطاها صورة مضيئة بين دول العالم". وعلى خلاف هذه الآراء المتفائلة والقائلة ببلوغ تونس اليوم درجة متقدّمة من التطوّر، يعتنق بسّام -وهو شاب تونسي له من العمر 27 عاما ويعمل موظفا بإحدى الشركات- رأيا آخر لا يعكس معظم الآراء التي استقيناها من الكثير من الشباب التونسي، فهو يقول بأسلوب تعميميّ يخلو من التعليل "لقد عدنا على الأقل خطوات عديدة إلى الوراء عمّا حقّقه بورقيبة لتونس بفضل نضاله وحكمته السياسيّة". أمّا الطالب حمودة بن محمود فهو يرى أنّ بورقيبة "كان معروفا بدهائه السياسي وخاصّة بعقلانيّته وواقعيّته التي طبّقها للحصول على استقلال تونس". ومن جهتها أشارت الطالبة فرح العزوزي أنّه كانت للرئيس التونسي السابق "مشاكل سياسية مع معارضيه الذين ظلم بعضهم ولا نسمع أيّ حديث عن ذلك اليوم. ورغم ما يعتبره البعض أخطاء فإنّ بورقيبة يبقى زعيما استثنائيّا ولولاه لسقطت تونس في دائرة العنف مثل الجزائر المجاورة لنا". وبالنسبة إلى الطالب حسان تمر يبقى بورقيبة "رمزا لاستقلال تونس وإعلان الجمهورية، وعموما فقد ترك بصماته الناصعة في تاريخ تونس ولولاه لبقينا في حكم "البايات" العثمانيين".
الزعيم وشعبه
ما هي الصورة التي يرسمها شباب تونس لزعيم لم يعايشوا فترة كفاحه أو حكمه.. صورة بلغتهم عبر روايات الآباء أو بعض كتب التاريخ أو عمّا يندر من معلومات تبثها أحيانا وسائل الإعلام فيختلط لدى بعضهم الحابل بالنابل، فبورقيبة الذي انفرد بحكم تونس أكثر من ثلاثين عاما إلى أن أُزيح عن الحكم بعد أن أرهقته الشيخوخة يبدو لدى بعض الشباب التونسي المتعلّم ديمقراطيّا. هكذا يقول محمد شكيب "مازال الشعب التونسي يحبّ بورقيبة ويكنّ له كلّ التقدير والعرفان بجميله، فهو مناضل حقيقي ورجل سياسة ديمقراطي جاء من الشعب وبذل من أجله تضحيات جسام وهو ما يشهد به الرئيس الحالي زين العابدين بن علي"... الطالبة شيماء بن حميدة تكنّ لبورقيبة الشعور نفسه "أنا أحبّ بورقيبة كثيرا، فقد حقّق لتونس إنجازات كثيرة رغم اتهامه من قبل البعض بأنّه فعل كلّ ما في وسعه من أجل البقاء في الحكم وارتكب عدّة تجاوزات لتحقيق أهدافه الشخصيّة تلك. وهذا ما جعل نهايته سيّئة بسبب إصراره على التمسّك بالحكم إلى ما لا نهاية".
"إنه مازال يعيش بيننا، هذا ما نشعر به ونحن نتجوّل في مقبرته ونرى صوره وملابسه وأدواته الشخصية" هكذا تحدّثت هادية بن محمود التي حرصت على أن نلتقط لها صورة بجوار صورة بورقيبة. وبدورها ترى فاطمة الحجري أنّ "كلّ التونسيين يحبون بورقيبة، كان شخصا مميّزا، وبفضل تضحياته أوصل تونس إلى ما هي عليه اليوم". في هذا الصدد يقول صبحي البوزيدي وهو عامل بورشة دهن من ولاية سيدي بوزيد بالجنوب الغربي وله من العمر 23 عاما "مازال بورقيبة في ذاكرة كلّ التونسيين لنستلهم الواقع من ذكراه. وقبل كلّ شيء بورقيبة هو إنسان ورجل مميّز، يعود إليه الفضل في تحقيق الكثير من الإنجازات، وخاصة الأسلوب السياسي والدبلوماسي الذكي الذي تعامل به لطرد المستعمر من بلادنا ونيل الاستقلال". وحسب اعتقاد الشابة إيمان قرامي وهي موظفة بمحل تجاري ولها من العمر 19 سنة، فإنّ فترة حكم بورقيبة تُعدّ على حدّ تعبيرها "من أحلى الأيام التي عاشتها تونس حسب ما ترويه لي والدتي، وهي فترة لا ينبغي أن ننساها".
ومن جهته يرى الطالب حمودة بن محمود أنّ "بورقيبة شخصية تتسم بخصائص الزعامة والكاريزما ومعروف بقوّة الخطاب السياسي. كما أنّه ليس نخبويا ويبدو دائما قريبا من الشعب، وأفضل دليل على ذلك كيفيّة تصرّفه لإخماد ما عرف بثورة الخبز في تونس في بداية الثمانينات، فقد نجح في إثارة تعاطف الجماهير حين انسابت الدموع على خديه أثناء الخطاب الشهير الذي ألقاه بالمناسبة". ويضيف حمودة في ذات السياق "كان بورقيبة يعتبر أنّ كلّ التونسيين أبناؤه وأنّه هو الدولة، ولذلك لم يكن يملك شيئا، وربّما كان ذلك لتبرير حكمه المطلق وصدّ المناوئين له. وفي آخر فترة حكمه أصابه الخرف. ومع ذلك فإنّ بورقيبة يجسّد الهويّة التونسية". بيد أنّ هذا الرأي تخالفه الطالبة شيماء بن حميدة إذ تعتبر أنّ ربط الهوية التونسية بشخص واحد مهما كان حجم إنجازاته وتضحياته هو نقيض لسنّة الحياة ومبدأ التطوّر، ولذلك فهي تقول "إنّ تونس التي أنجبت بورقيبة كان يمكن أن تنجب غيره يحقّق نفس المكاسب وربّما أفضل. فتونس في رأيي هي المستقبل ولم تنته بانتهاء بورقيبة". بدأنا هذا الاستطلاع بسبر آراء جمع من شباب تونس وننتهي بحديث طفلة صغيرة التقيناها تلهو في روضة آل بورقيبة حيث مقبرة مدينة المنستير. فهذه أميمة بن محمود طفلة لم يتجاوز عمرها تسع سنوات وهي تلميذة بالسنة الرابعة ابتدائي، أسرّت لنا بكلّ براءة أنّ "بورقيبة شيّد قصرا جميلا، حدّثتنا مُدرستنا عنه كثيرا وقالت إنه كان يفعل الخير ويساعد الفقراء وأنا سعيدة جدّا بزيارة قبره الجميل والتعرّف على أدواته الشخصية وملابسه التقليدية الجميلة".
(هذا المقال نُشر في جريدة الصباح بمناسبة الذكرى الثامنة لوفاة الزعيم بورقيبة بتاريخ 6 أفريل 2008، أما الصور فالمقصود الصور الحديثة منها لتمثال بورقيبة وروضة آل بورقيبة)

2008-07-22

يهــــــود تونـــس ‏

أقليّة منزوية تحافظ على طقوسها وتتمسّك بهويّتها التونسيّة
تونس بلد تعاقبت عليه حضارات وإمبراطوريات عديدة وتنوّعت الأعراق والديانات والجاليات التي عاشت فيه، ولئن تمسّكت معظم تلك الأعراق بالاستقرار والبقاء في هذا الأرض الطيّبة، فإنّ بعض الأقليات قد تضاءل عددها كثيرا وغادر معظمها البلاد. ومع ذلك يشتدّ حنينها إلى تونس خلال بعض المناسبات فتتحوّل بعض معالمها إلى مزار، تماما مثل معبد "الغريبة" في جزيرة "جربة" بالجنوب التونسي الذي يحجّ إليه خلال شهر مايو من كلّ عام آلاف اليهود من ذوي الأصول التونسية بالخصوص والقادمين من دول غربية عديدة، جاؤوا حنينا ورغبةً في استحضار الماضي... قلّة هم اليوم، لا يتجاوز عدد يهود تونس نحو ألفين، أغلبهم مستقرّ بجزيرة "جربة" السياحيّة ومعظم البقية في العاصمة وضواحيها، هم تونسيّو المولد والنشأة، تجمعهم بغيرهم من التونسيين اللغة وبعض العادات والتراث الحضاري المشترك في عمومه... ورغم هذا التعايش، يصعب اليوم الالتقاء بهم والحديث معهم حول خصوصيّاتهم في مجتمع ذي أغلبيّة عربيّة مسلمة نظرا إلى ما لمسناه لدى بعضهم من طبيعة حذرة في الاحتكاك بالآخر المحلّي وهو ما أكّدته لنا شهادات عدد من أجوارهم المسلمين، أو كذلك بسبب خشية البعض منهم من ردّ فعل ما يسمّى بـ"الكميته" وهي جمعية تهتم بالشؤون المعيشية ليهود تونس. البقية الباقية منهم اليوم في معظمها من المسنّين المتمسّكين بالبقاء في هذه البلاد، فهي تبقى -حسب تأكيداتهم- موئلهم الأوّل والأخير على الرغم من هجرة أغلب أبنائهم... تساؤل مشروع حملناه تحديدا إلى اليهوديات التونسيات: لماذا لا يساومن في مسألة التمسّك بالبقاء في تونس رغم رحيل الشباب إلى خارج البلاد؟ وكيف تبدو خصوصيّة عيشهم وطبيعة علاقاتهم مع مواطنيهم من التونسيين المسلمين. للإجابة عن هذه الأسئلة استطلنا آراء مجموعة من يهوديات تونس، فكان هذا الريبورتاج الشاقّ والشيّق..
ريبورتاج : معـز زيّـود وألفـة جامي
صور: ألفــة جامـي
الجالية اليهودية لم يبدأ استقرارها في تونس -على خلاف ما يعتقده البعض- بحلول الاستعمار الفرنسي أواخر القرن التاسع عشر، وإنّما استوطنت في تونس منذ قرون عديدة.. هجرات متتالية إلى خارج البلاد شهدتها هذه الجالية منذ استقلال تونس سنة 1956. فكانت الدول الأوروبية وخاصة فرنسا قبلة هؤلاء في أغلب الأحيان، غير أنّ البعض منهم أبى أن يغادر وتمسّك بالبقاء في تونس إلى اليوم... يصعب التوصل إلى الإجابة القاطعة عن تضاؤل أعداد الشباب اليهودي ذي الأصول التونسيّة في تونس من أفواه الأمهات اليهوديات، ممّا قد يجعل المجال مفتوحا للتأويلات، وعلى ما بدا لنا أثناء مقابلة بعضهن فإن السؤال يبدو محرجا أحيانا وقد يؤدي ببعضهم إلى تغيير مجرى الحديث نوعا مّا فمن ابتسامة وتلقائية في الإجابات إلى تلعثم ودبلوماسية واكتفاء بذكر ما قلّ من الكلمات.
إصرار على البقاء..
ومهما يكن من أمر هجرة الشباب اليهودي، فإن التاريخ يثبت أنها "حركة" لا تختصّ بالفترة الحالية. وإنما هي مرتبطة بمراحل متعددة من تاريخ اليهود في تونس. ويبدو أنّ أهمّها يعود إلى فترة الستينات مع تعاظم المدّ القومي العربي في تونس والتعاطف الشعبي الكبير مع القضيّة الفلسطينيّة، حتّى أنّ أهمّ الشوارع في قلب العاصمة التونسيّة والذي يقطن فيه اليهود وحيث يوجد فيه إلى اليوم أكبر كنيس يهودي في البلاد قد تمّ تغيير اسمه الفرنسي إلى شارع فلسطين. ولكن يهوديات تونس لهنّ رأيا آخر في الموضوع. في هذا الصدد، تؤكد الدكتورة "كولات سرفاتي" أنّ اليهود الشباب أصبحوا لا يرضون بتونس بلدا يحقق أحلامهم. ففي مطلع الخمسينات بدأ يغادرون الحارة -ذلك الحي الفقير جدا- في اتجاه فرنسا في سبيل البحث عن وضع اجتماعي أفضل من ذلك الذي يعيشونه في تونس. ولكي يُقلّل من الإحساس بالوحدة والضياع في بلد يبدو لهم للوهلة الأولى غريبا، وجد الشباب اليهودي في الزواج الحل الأنسب. فغدا البعض منهم يتزوّج قبل مغادرة مسقط رأسه إلى أن يحلّ الرحيل الأكبر". وتضيف مُتحسّرة: "البعض الآخر مثلي، لم يستطع أن يفعل نفس الشيء، فقد مكثت في تونس في الوقت الذي غادرت فيه معظم صديقاتي للزواج والإقامة في فرنسا وغادر فيه خطيبي بمفرده بسبب قلة ذات اليد، إذ لم يكن لدينا المال الكافي للزواج والسفر معا. ومثلما يحدث كثيرا في المجتمع التونسي –سواء بالنسبة إلى اليهود أو المسلمين- لم تتفق العائلتان على مهري. فكان لي أن بقيت في تونس والتحقت برفيقي بعد ثلاث سنوات، حيث تزوجت حينها في فرنسا هناك زواجا متواضعا". وتتنفس الصعداء ثم تبوح لنا "لما قرّرت الرجوع إلى الدراسة جعلت من "الزواج التونسي اليهودي" موضوع شهادة الماجستير وبه استطعت أن أحقق على الورق زواجا لطالما كنت أتمناه لنفسي على أرض الواقع... وبذلك أغلقت جرحا من الماضي عميقا". وللأسباب نفسها المتعلقة بالسفر لأسباب اقتصادية، تخبرنا السيدة مريم فلاح أن أبناءها الأربعة غادروا تونس لأنهم "لم يجدوا هنا عملا" مناسبا فضلا عن رغبتهم في استكمال دراساتهم العليا… وبين القبول بالأمر الواقع ورفضه تتنوّع الإجابات عن هذا السؤال رغم كون المُجيب واحد… "المهم هو مصلحتهم ومستقبلهم ولا يهمّ أن نبقى بمفردنا فهذه حال كل الأمهات والآباء نربي ليكبر الأطفال ويصبحوا رجالا ونساء، يتركوننا للاهتمام بحياتهم الخاصة وهذا أمر طبيعي، فالمهم أن يكونوا بخير ويطمئنوننا عنهم ويزوروننا كلما سنحت لهم الفرصة".
ومن المعلوم، أن أغلب اليهود في تونس يختارون الدراسة الابتدائية في مدرسة خاصة بهم ثم يزاولون دراستهم الثانوية بمعهد ثانوي في العاصمة التونسية ملحق بالنظام التعليمي الفرنسي ليسهل عليهم فيما بعد مواصلة دراساتهم الجامعية بفرنسا، وبكل فخر واعتزاز تُرينا الآنسة "بية" التي غادر أخوتها تونس لاستكمال دراستهم الجامعية بفرنسا صورة أخيها الصغير وهو يرتدي لباس المحاماة. "فقد تحصل مؤخرا على الإجازة وبدأ يمارس مهنته النبيلة". تتأسف الآنسة "بيّة" لأنها إلى اليوم لم تتمكّن من الالتحاق بعائلتها التي غادرت تونس نحو فرنسا منذ عشر سنوات، وذلك لاستحالة حصولها على تأشيرة السفر إلى فرنسا لأن منحة المعاش الشهري التي تتقاضاها لا تتجاوز 200 دينارا تونسيا بما يعادل تقريبا 150 دولارا. فرنسا بالنسبة إليها، بلد تجتمع فيه مع والدتها وإخوتها لتعيش في دفء العائلة، فهي لا ترغب في الانتقال إلى فرنسا بهدف تحصيل وظيفة أو تحسين وضعيتها الاجتماعيّة. ورغم وجودها بمفردها، لا تتذمّر من بقائها تونس أو بلدها الأصلي –كما تقول- فهي تعتبر أفراد عائلتها "تونسيين أحرارا" أي تونسيين أصليين. وعلى ما يبدو من خلال هذه الشهادات الحيّة أن هجرة الشباب اليهودي أسبابها واحدة ولو اختلفت الفترات الزمنية وهي البحث عن ظروف عيش أفضل وأساسا البحث عن عمل مجدي ماديّا. وهذا ما يجعل السيد شالوم فلاح زوج السيدة مريم يتدخل في الحديث ليؤكد أن "الهجرة إلى فرنسا ليست مطمحا مقتصرا على الشباب اليهودي فقط، وإنما أصبح عموما مطمح كلّ شباب تونس مسلمين ويهودا.. ويضيف أن أوروبا تجلب أنظار الشباب في كل مكان. وهذه ظاهرة نجدها في عدة بلدان، لا تونس وحسب".. واعتمادا على بعض الإحصائيات شبه الرسمية، يعيش حوالي 20 ألف يهودي من أصل تونسي حاليا بفرنسا، في حين يعيش 30 ألف آخرين بإسرائيل، أي الفئة الأكثر تسييسا منهم حسب الدلالات المباشرة لهذه الأرقام. وعموما يبدو أنّ المقارنة بين جيلين من يهود تونس أمر قد لا يستقيم، ذلك أن أبناء الجيل القديم من اليهود التونسيين يحملون في ذواتهم ذاكرة مفعمة بالأحداث عن تونس وتاريخها، فتونس بالنسبة إلى الأقلية اليهودية الباقية بلد استوطنه أجدادهم وأحسن معاشرتهم وأصبح موطنهم الأول بل وحسب تعبير عدد منهم أضحت تونس وطنهم الوحيد بعد سلسلة من الأجيال...
هذه الأقلية الباقية لا ترى نفسها تعيش في بلد آخر غير تونس التي تعتبرها بلدها الأول والأخير حتى أن بعضهم يستغرب منا السؤال عن سبب البقاء في تونس رغم كبر سنه وما قد يترتب على التقدم في السن من أمراض وإحساس بالوحدة... وعلى الرغم ممّا قد يتوفر لهم -في حالة الهجرة- من رعاية من قبل أولادهم الذين يعيشون عيشا رغيدا في فرنسا، فإنّ الابتعاد عن تونس واللحاق بأبنائهم أمر غير قابل للنقاش، وهذا حال السيدة مريم التي تقول: "لا أريد العيش في غير بلادي، إذ في تونس وُلدتُ، وفيها أعيش، وحيث وُلدتُ وعشتُ أموت، فالإنسان ليس له غير بلده، فلا شيء يُغنيني عن بلدي تونس"، وتتساءل "هل يُعقل أن يترك المرء بلدا ولد فيه وترعرع وأنجب فيه أبناءه وعاش فيه الحلو والمرّ. فمن غير المعقول أن يُسأل المرء لماذا لم يترك بلده؟" وتضيف بكل حماس وحبّ "أنا امرأة تونسية لحما ودما، أحبّ بلدي ولن أتركه ولا تعني لي باريس شيئا كبيرا وإن كانت تحتضن أبنائي، فتونس تبقى الأفضل... ومن يُحبّنا يزورنا، لكننا لن نغادر أرض بلدنا الحبيب". نفس الإحساس بالانتماء والمواطنة نجده عند الآنسة بيّة التي تصرّح "أنا تونسية مائة في المائة ولو كنت غير تونسية ولو كنت لا أحبّ بلدي لما عشت فيه إلى اليوم، ولما حرصت أمي وإخوتي على زيارة تونس كل عام... في الأول والأخير أنا تونسية رغم كلام المناوئين ممّن يعسر عليهم فهم ذلك".
وفي المقابل قد لا تحاول اليهودية التونسية التي هجرت "بلدها" منذ سنين أن ترجع إليه يوما لتستقرّ به بشكل دائم رغم الحنين المتواصل إليه ورغم عشقها له باعتباره بلدا حمل أحلى فترات شبابها. السيدة "كولات سرفاتي" رغم كونها تزور تونس كلما حنّت إليها ورغم الحديث عنها في كل مناسبة رسمية أو عائلية فإنها لا تفكرّ في الرجوع إليها رجوعا نهائيا، "من الصعب علي اليوم أنا وأمثالي أن نغيّر مسار حياتيا ونرجع إلى تونس بعد استقرارنا في فرنسا سنوات طوال نحتنا خلالها ذواتنا"، وتوضح كلامها "ليس لي أي شيء ضدّ تونس، فالوقت متأخر لكي نبني حياة أخرى، فللسنّ والزمن والظروف أحكامها... واليوم أحسّ أنني فرنسية وتونسية في الآن ذاته، فرنسية الجنسية وتونسية الهوية والمولد والمنشأ، بلدي عزيز عليّ لا أنساه أبدا وكثيرا ما أنثر حكاياتي عن تونس في كل مجلس أجلسه مع صديقاتي وقريباتي". تبقى تونس في ذاكرة يهودياتها اللائي يعشن في أوروبا صورا من الماضي الجميل يأخذهن الحنين إليها في انتظار حلول صيف يجتمع خلاله الأحباب.. وتبقى بالنسبة إلى من بقين مقيمات فيها حاضرا ومستقبلا يعشنه بحلوه ومُرّه...
نفور أم تعايش؟
"كلّنا بشر" هذه الجملة مفتاح لفهم العلاقة التي بنيت منذ عشرات السنين بين التونسيين من المسلمين واليهود وعلى أساسها كان التعايش دون مشاكل بين الفئتين... هي جملة وردت على لسان السيدة مريم وهي امرأة يهودية تونسية غير متعلمة، إيمانها كان عميقا بضرورة التعايش بين الطائفتين، ولكنّه تعايش لا يتطلب التزاور أو الاحتكاك اليومي بين المسلمين واليهود... وإنما هو تعايش يستوجب أكثر من ذلك بكثير... يتطلب الفهم المتبادل لمبدأ أساسي وهو ضرورة ائتلافنا رغم اختلافنا، وذلك لسبب موغل في العمق، سبب إنساني وهو انتماؤنا لجنس واحد وهو الإنسانية.. على لسان هذه السيدة المسنة والأمية جاءت رسالة هي أقرب إلى الدعوة إلى التعايش السلمي في كنف القيم الإنسانية. فكأنها تقول رغم اختلافاتنا العرقية والإيديولوجية وغيرها... علينا ألاّ ننسى أننا نبقى في الأول والأخير بشرا"... تكرّرها ببساطة تمزجها بابتسامة وهدوء لاعتقادها أن "فهم هذا الشيء رغم بساطته يُعدّ ضرورة قد تحقق أمورا تعجز وسائل أخرى عن تحقيقها"... بهذا المبدأ استطاع البعض من التونسيين يهودا ومسلمين أن يقتنع بأن الاختلاف لا يفسد للودّ قضية... والبعض منهم وجد لنفسه ولغيره سببا آخر يحقق التعايش تماما مثل السيد شالوم فلاح الذي يرى أنّ الجانبين ينتميان إلى عرق واحد وهو العروبة "نحن كلنا عرب رغم اختلاف الديانة نعيش في بلد واحد، تجمعنا لغة واحدة، ولا يوجد ما يفرّق بيننا، المهم أننا نفهم هذا الكلام كي نتمكّن من فهم بعضنا البعض ونتعايش جميعا في كنف الاحترام والأخوّة". كلامهما هذا يجعلنا نعرف أن الحكمة قد تأتي على لسان البسطاء منا بصرف النظر عن المستوى الاجتماعي وعن الدين والعرق.. ففي تلك البساطة عمق قد يعسر علينا الانتباه إليه بفعل الانهماك اليومي في حياة صاخبة... بسبب هذا الاحترام المتبادل كان من السهل على التونسيين التعايش مسمين ويهودا.. الحاجّة مريم تحدّثت عن علاقتها بجارتها اليهودية.. فتقالت "هي امرأة جدا طيبة وجدا كريمة... صحيح أننا لا نتزاور إلاّ نادرا لكننا نلتقي في السوق فنتحدث عن أمور شتى وهي امرأة تحب الخير للجميع"، وعن دينها تقول "لقد اعتاد أجدادي على مخالطة أناس معتنقين لأديان أخرى، فلا ضير لنا أن نختلط باليهود.. كما أن بية أعرفها منذ الصغر وأعرف والدتها.. فهي تونسية مثلي وهي بنت بلادي"..
"بنت بلادي" عبارة تُغني عن كل تعليق... ومع ذلك من الموضوعية أن نشير إلى أنه لم يكن من السهل على بعض اليهود والمسلمين التعايش معا في تونس لا لأسباب سياسيّة وإنّما نظرا إلى بعض الخلفيات الموروثة كأن لا يقبل التونسي اليهودي الأكل من ممّا يطبخه التونسي المسلم لأنه "حرام" في معتقدهم... ولبعض الأحكام المسبقة التي دخلت في المنطوق التونسي وشكلت قالبا جاهزا يسيء لإحساس بعض اليهوديات، ذلك أنّ البعض لا يتفوّهون بكلمة يهودي أو يهودية إلا بأن يرفقها بلفظة "حاشاك" هذه العبارة -التي يشبه مدلولها في التعبير الشعبي التونسي تعبير "أعوذ بالله"- وهي تختزل موقفا واضحا وصريحا لدى بعض التونسيين المسلمين من اليهود.. موقف ينبني على الازدراء والتحاشي. وهذا من شأنه أن يسيء إلى بعض اليهوديات ويشكل حاجزا نفسيّا أمام التعايش بينهما.. الآنسة بية تستنكر هذا السلوك وتقول "في بعض الحالات تكون تلميحات التونسيات مؤذية لنا.. وخاصة كلمة "حاشاك"، لست أدري لماذا يستعملنها ويتغامزن بها علينا"... بية ترى أن أهم عنصر للتواصل هو عبادة الله فبما أنها يهودية تعبد الله فلا مجال للتفرقة أو التنابذ بالألقاب. وبذلك تضيف سببا آخر للتعايش السلمي وهو التوحد في عبادة الله... فبما أن كل المواطنين في بلد واحد يجتمعون على عبادة الله فلا مجال إذن للاختلاف... هذه العبارة تجعل العلاقة بين التونسيين المسلمين واليهود تتسم ببعض النفور دون أن تتجاوزه إلى تصعيدات أخرى من أي نوع. فاليهوديات وجدن الحلّ في الانكماش على بعضهن البعض وفضّلن الانعزال على الاختلاط المصحوب بالأذى. وهذا ما تفعله الآنسة بية وتجعله سلوكا قطعيا "من يتشرّف بديني أتشرّف به، ومن لا يفعل ذلك لا أتعامل معه ولا أكلمه مطلقا". لذلك تدعو إلى عدم الحكم عليها من منظور ديني، وإنما من منظور أخلاقي فهو المحدّد عندها لتغيير الفرد "أنا أرفض كلاما سيئا عني لأني فقط يهودية، فلا دخل للدين في العلاقات بيننا كجيران، وإن أرادت إحدى جاراتي أن تدخل الدين في حساباتها فإنني أقطع العلاقة فورا". وتضيف "لا ينبغي الأخذ بكلام العنصريين مهما كانت انتماءاتهم الدينية والعرقية يهودا كانوا أو مسلمين أو مسيحيين، فالمهم هو الإيمان بالله وحسن المعاشرة". ولعل أكثر ما يقلق "بيّة" "أن تنهى إحدى الأمّهات ابنتها عن مخالطتنا لأننا يهود، خاصة إذا كانت البنت صغيرة لا تفهم شيئا، فتورثها بذلك سلوكا عنصريا ينطوي على الكراهية بدلا من التفاهم والاحترام المتبادل"، وهو ما ينتج في الحقيقة ردّ فعل عكسيّ وانفعاليّ.. العلاقة بين يهود تونس ومسلميها اتسمت بالاندماج غالبا والنفور أحيانا... وهو نفور اختياريّ أو بالأصح هو انهماك البعض منهم في مشاغل الحياة أو انعزال لأسباب مزاجيّة. السيدة مريم لا تزور جيرانها إلا عند الضرورة.. والضرورة يُحدّدها زوجها في نطاق تقديم العزاء عند وفاة أحد الجيران أو تقديم التهاني بمناسبة الأفراح.. فطبيعة زوجها لا تقبل بالاختلاط والتزاور لأنّ ذلك يخلق المشاكل من جرّاء طبيعة المرأة التي كثيرا ما تنهمك -حسب رأيه- في الثرثرة والنميمة، وهي أمور قد تؤدي إلى مشاكل يرفضها أي رجل على اختلاف دينه... "الجيران المسلمون طيبون معنا... لكننا لا نختلط ببضعنا البعض، كل واحد منا في منزله لا يُقلق الواحد فينا راحة الآخر، زوجي يرفض الاختلاط بالجيران، وبصراحة دائما ما يقول إنّه لا يحبّ النميمة وأنا أمتثل لما يراه"... الواضح إذن أنّ تلك صفات ومواقف صيغت بحكم طبيعة العلاقات والأنماط الاجتماعيّة السائدة أو الموروثة وليست حكرا على دين أو جنس دون سواهما...
عادات متشابهة..
تدافع الباحثة "كولات سرفاتي" على أنّه لا وجود لفرق بين التونسية المسلمة والتونسية اليهودية. فكلاهما امرأة ولدت في تونس لكن بديانة مختلفة ومتشابهة في نفس الوقت. وتوضّح ذلك بمثال من الحياة الاجتماعيّة "التونسية المسلمة تغطّي رأسها ونفس الشيء تفعله التونسية اليهودية"، وتتذكّر محدّثتنا أن جدّتها "كانت تضع الوشاح على رأسها لأن الديانة اليهودية مثل الديانة الإسلامية لا تبيح للمرأة أن تظهر مفاتنها أمام الرجل، مبرزة أن المرأة اليهودية المتدينة اليوم تضع باروكة". وفي السياق ذاته تقرّ بأنّ "المرأة التونسية يهودية أو مسلمة كانت تعيش أُمّا أكثر منها زوجة وكانت كل واحدة منهما على حد السواء خاضعة لسلطة الرجل، فلا تغادر المنزل إلا نادرا وبشرط استشارة زوجها". وتعود بنا الباحثة إلى تاريخ تونس، فترى أن المرأة التونسية سواء أكانت يهودية أو مسلمة كانت تعيش تحت سيطرة ذكورية، سيطرة الأب قبل الزواج وسيطرة الزوج بعد ذلك. فقد كانت تعتمد بشكل كلّي على الرجل في بيتها وفي مصاريفها لأنها محرومة من حق العمل. "لكن مع بداية الاستعمار الفرنسي أصبحت المرأة التونسية المسلمة أو اليهودية عُرضة للتأثر بما حملته إليها أوروبا من سلوك وممارسات اجتماعية جديدة، وهذا ما غيّر حياتها" حسب رأي الباحثة. وتستنكر "عادات كثيرة كان من المفترض أن تزول لكن الأمهات عملن على الاحتفاظ بها وتمريرها لبناتهن مثل مراسم الزواج المعقدة والمكلفة جدا إلى حدّ مبالغ فيه".. تتمتع المرأة التونسية اليوم سواء المسلمة أو اليهودية بنفس الامتيازات والحقوق وعليهما نفس الواجبات، فلا مجال حسب رأي الدكتورة كولات للتمييز بينهما والحال أن القانون التونسي لا يحدّد أيّ فروق تفصلهما.
رهن "الكُمّيته" والموروث..
في السياق نفسه، تعيش المرأة اليهودية التونسية تحت حماية زوجها أولا، ثم تحت حماية ما يسمّى بـ"الكُميته" ثانيا شأنها في ذلك شأن الرجل اليهودي. فاليهود في تونس، رغم كونهم يعتبرون مواطنين تونسيين خاضعين للقانون التونسي ولهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، فإنّ لهم نظاما خاصا تسيّره لفائدتهم "الكمّيته" وهي جمعية رسمية في تونس تتعامل مع جهاز الدولة ويرأسها حاخام له مهمة إدارية رسمية معتمدة من قبل جهاز الدولة مثل المفتي لدى المسلمين. وتتولى "الكُمّيته" تسيير شؤون اليهود الدينية والتربوية، كما تجد حلولا لمشاكلهم فمثلا منحت السيدة مريم بيتا تسكن فيه يعوّضها عن منزلها المتداعي للسقوط.. كما تقدم هذه الجمعية إعانات مالية شهريّة ليهود تونس من ذوي الاحتياجات الخصوصية، بالإضافة إلى ما يتمتّعون به من رعاية طبية مجانية. تعيش المرأة اليهودية التونسية إلى اليوم في ظلّ زوجها، فهو بالنسبة إليها كل شيء في غياب الأولاد المهاجرين وشبه غياب العلاقات اليومية مع الجيران. هذه الأهمية الخاصة تروّج لعادة قديمة روتها لنا السيدة "كولات" تتمثل في أنه لا يحقّ لليهودية الأرملة أن تتزوج ثانية برجل غريب عن العائلة وبالأساس عن عائلة الزوج المتوفي... فالأخ الشقيق يتصدّر قائمة المسموح لهم بالزواج منها. وحسب هذه الطقوس، فإنّ تلك الأرملة لا يمكنها اختيار شريك حياتها إلاّ في حالة أعلن شقيق زوجها الفقيد رفضه لها وعدم رغبته في الزواج منها وذلك أمام الملأ في حفل خاص يُدعى في الموروث اليهودي "هاليستا" (Halista). وبعد هذا الحفل لا أحد له الحق في لومها.. والملفت للانتباه أن ذلك الرفض لا يكون شفويا وإنّما يتمّ باتباع طقوس رمزيّة لا يتولى الرجل فيها إعلان الرفض بنفسه وإنما تعمد الأرملة إلى تبليغه للجميع وذلك بنزع حذاء صهرها أمام كبار القوم دلالة على الرفض في عرفهم. ومن بين الممارسات الطقوسيّة الأخرى التي قد تكرّس النظرة الدونيّة للمرأة أنّها إذا ما ترمّلت مرتين تصبح نذير شؤم ومحلّ استنكار من الجميع، فيهابها الأزواج حينئذ وتلقب عند البعض "بقاتلة الأزواج". وتذكر لنا الباحثة "سرفاتي" أن هذه العادة لا تزال موجودة إلى اليوم، غير أنها بقيت على مستوى الاعتقادات البالية. هكذا إذن تبدو اليهودية التونسيّة بمثابة رهينة المحبسين، فهي من جهة تخضع خضوعا كليّا لمشيئة زوجها بل وقد تصيبها لعنته حتى بعد مماته، ومن جهة أخرى تبقى أسيرة لرحمة "الكمّيته" فتلزم الحذر الدائم في تعاملاتها مع الآخرين حتى لا تمنع عنها المساعدات. وهذا في الحقيقة ما لامسناه أثناء جمع بعض الشهادات الخاصّة بهذا التحقيق الصحفي.
ندرة الزواج المختلط
يصعب وجود الزواج المختلط بين اليهود والمسلمين في تونس حاليا وربما ينعدم رغم وجوده في القديم لأن "الجيل الحالي من اليهود والمسلمين يبدو أكثر عنصرية، ولأن معطيات كثيرة تغيّرت في أيامنا الحالية" على حد تعبير "بية". كما أن الزواج المختلط غير موجود بسبب الممارسات الطقوسيّة والممنوعات التي يفرضها كلا الجانبين حسب ما يذهب إليه السيد صالح الزغيدي باعتباره أحد التونسيين الذين تزوجوا رغم ذلك من امرأة يهودية زواجا مدنيّا استمرّ سنين طويلة، ولئن انتهى بالطلاق فهو طلاق لا يرتكز على خلفيات دينية أو عرقية لأنه لا يعتبر هذه الفوارق معيارا يحدّد به الفرد خياراته. فالمحدّد الوحيد الذي اتخذه للزواج بـ"ليلى" اليهوديّة يتمثل في أخلاقها وثقافتها الواسعة ونضجها رغم صغر سنها حينذاك... كلها عناصر جعلت منها فتاة "متميزة" اختارها لتكون زوجته. وحول ظروف زواجه يحدثنا، "لم أجد معارضة تذكر من قبل أهلها، بالعكس فقد رحبوا بي خاصة أنني كنت خريج جامعة "السربون" الفرنسية المعروفة وناشطا في الحركة الشيوعية مثلهم كما أنهم يعتبرون أنفسهم تونسيين أوّلا وأخيرا. أمّا أهلي فهم تقليديون، وفي البداية وجدت معارضة من والدتي التي كانت لها آراء مسبقة تجاه اليهود عامة... كما أنها كانت تخشى كلام الناس... كانت محاولاتي لإقناعها بسيطة جدا، اقتصرت فيها على جعلها تتعرف على ليلى عن كثب.. وبمجرد اللقاء الأول خبرت أنها فتاة ذات خلق وأدب إلى درجة أنها لم تصدّق كونها يهودية نظرا إلى الصورة التعميميّة الخاطئة التي كانت تحملها عن اليهود رغم كونها لم تر يهوديا قط قبل ليلى.. ومن تلك المقابلة قبلت بها. فكان الأهمّ عندها أنها تونسية وتعرف تقاليدنا بالدرجة الأولى". أمّا عمّة صالح الزغيدي فقد كان لرفضها سبب آخر بعيد عن المنطق السائد أو الآراء المسبقة، "أرفض زواجك منها لأنها تتكلم الفرنسية ولا يمكن لها أن تفهمني إذا ما شتمتها يوما" بما يعكس وضعيّة المرأة في المجتمع التونسي في ذلك الزمن بغضّ النظر عن الدين والعرق.. أمّا الأب فكان من السهل عليه أن يقبل بها زوجة لابنه بعدما وجدها تقف إلى جانبه في المحن السياسيّة التي واجهته...
اليهود التونسيون رغم كونهم أقلية في تونس اليوم، فإنهم مازالوا يحافظون اليوم على عاداتهم وتقاليدهم وموروثهم الديني... وخاصة المرأة اليهوديّة في تونس التي لا تزال تعيش في ظلّ زوجها وتتعايش باحترام مع جاراتها المسلمات ولكنّها تتجنّب الاحتكاك الدائم بهنّ تفاديا لأيّ مشاكل محتملة.. هذا في الحقيقة سلوك تكاد تختصّ به الأقليّات في كلّ مكان في العالم بغضّ النظر عن اختلاف الأعراق والديانات... ومع ذلك، قد نقرّ بأنّ اليهود التونسيين -من الرجال والنساء- يعيشون على قلّتهم بشكل طبيعي في تونس، ولا تكاد تشعر بوجودهم أحيانا... أمّا عن الصدام الحضاري العميق القائم بشكل عام بين الطائفتين اليهودية والمسلمة من جرّاء الصلف والعدوان والتمييز العنصري الإسرائيلي في فلسطين المحتلّة وبعض بلدان المنطقة، فلا نكاد نجد له أثرا في الحياة اليومية بين المسلمين واليهود في تونس، أوّلا لأنّ الأقليّة اليهوديّة لا تكاد تلفت الانتباه لوجودها بحكم أسلوب عيشها المنكمش وقلّة عدد أفرادها وثانيا لأنّ الجانبين ينتميان إلى شعب ومجتمع واحد. فعلى الرغم من بعض الأحداث الطارئة ولاسيّما حادثة التفجير الإرهابي قبل خمس سنوات لمعبد "الغريبة" اليهودي بجزيرة جربة السياحيّة التي ذهب ضحيّتها قرابة 20 شخصا من التونسيين والأجانب، فإنّ الشعب التونسي لا يزال محافظا على قيم التسامح والتعايش السلمي في كنف التنوّع الحضاري المتراكم الذي شهدته تونس في مختلف مراحلها التاريخيّة..
(هذا المقال المنشور سابقا في جريدة "القبس" الكويتية، نُعيد نشره في هذه المُدوّنة إكراما للصديقة والزميلة العزيزة ألفة جامي -التي بذلت قصارى جهدها في إنجاز هذا الريبورتاج في مختلف مراحله- وهي تُقيم حاليا بالكويت حيث تعمل بإحدى الصحف اليومية الجديدة، نرجو لها كلّ النجاح والتوفيق ودوام الصحّة)